يرسم الكاتب والمؤرخ البريطاني سايمون سيباغ مونتيفيوري، في مقال نشرته مجلة ذا أتلانتيك صورة للشرق الأوسط باعتباره منطقة تدخل مرحلة من إعادة التشكل، لا تصنعها الحروب وحدها، بل أيضًا صعود قوى إقليمية، وتبدل التحالفات، واتساع نفوذ دول الخليج، وتغير طرق التجارة، ودخول التكنولوجيا والمسيّرات إلى قلب معادلات القوة.
وفي مقال مطول نشرته المجلة بعنوان «الشرق الأوسط الذي لم يأتِ بعد»، والمقتبس من كتابه المرتقب ” المرجل: كيف تشكّل الشرق الأوسط الحديث” ( The Cauldron: The Making of the Modern Middle East)، يمزج مونتيفيوري التاريخ بالاستشراف محاولًا تصور الاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة.
لا يقدم الكاتب خريطة مؤكدة للمستقبل، بل مجموعة من القراءات والسيناريوهات، بعضها شديد الجرأة والجدل. وفيما يلي 15 فكرة رئيسية تلخص رؤيته للشرق الأوسط المقبل:
1- الشرق الأوسط يعيد تشكيل نفسه والعالم
يرى مونتيفيوري أن المنطقة لم تعد مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى. فالولايات المتحدة وروسيا والصين ما زالت حاضرة، لكن قوى الشرق الأوسط نفسها أصبحت أكثر قدرة على المبادرة والمناورة ومد نفوذها إلى خارج حدودها.
وفي غياب قوة واحدة مهيمنة على المنطقة، كما حدث في مراحل تاريخية سابقة، تصبح الخريطة أكثر تعددًا وتعقيدًا.
2- تركيا وإيران وإسرائيل في قلب ميزان القوة
يضع الكاتب تركيا وإيران وإسرائيل بين أبرز القوى العسكرية الإقليمية التي صعدت خلال العقد الماضي.
لكنه يرى أن القوة العسكرية لا تعني بالضرورة الاستقرار أو القدرة على فرض النتائج السياسية؛ فالدول الثلاث تجمع، بحسب تحليله، بين القوة الخارجية ومصادر ضعف وتوتر داخلية.
وفي المقابل، يرى أن السعودية أصبحت أكثر حضورًا في قيادة العالم السني، بينما أظهرت جماعات مسلحة مثل الحوثيين أن الفاعلين من غير الدول قادرون على التأثير في الأمن والملاحة والتجارة باستخدام الصواريخ والمسيّرات.
3- دول الخليج توسع نفوذها بعيدًا عن حدودها
من أبرز التحولات التي يرصدها المقال الصعود الكبير لدول الخليج العربي.
فدول كانت محدودة الحضور الدولي قبل عقود أصبحت تمتلك نفوذًا اقتصاديًا واستثماريًا ودبلوماسيًا يمتد إلى أفريقيا وجنوب آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.
ويشير مونتيفيوري خصوصًا إلى اتساع حضور قطر في العالم الغربي، ويربط صعود دول الخليج بمزيج من الثروة والطاقة والأمن وسرعة اتخاذ القرار والتقاليد التجارية القديمة.
4- حتى اسم «الشرق الأوسط» قد يصبح أضيق من الواقع
يرى الكاتب أن المنطقة لم تعد قابلة للفهم فقط من خلال المشرق العربي والإرث العثماني والثقافة العربية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فما يحدث فيها أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالهند وباكستان والصين وأفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى.
لهذا يتساءل ضمنيًا عما إذا كان مصطلح «الشرق الأوسط» نفسه لا يزال قادرًا على وصف المجال الجيوسياسي الجديد الذي يتشكل.
5- عام 1979 ما زال حاضرًا
يمنح مونتيفيوري الثورة الإيرانية عام 1979 مكانة محورية في تفسير الشرق الأوسط الحديث، ويعتبرها لحظة تاريخية تجاوز تأثيرها حدود إيران.
ويناقش من خلالها تطور مفهوم «المقاومة» وامتزاج الأفكار القومية والثورية والدينية، ويطرح تفسيرًا يرى أن الفكر الثوري جرى «أسلمته» بقدر ما جرى تسييس الخطاب الديني.
6- الخليج يقدم نموذجًا مختلفًا
في مقابل النموذج الثوري الإيراني، يقدم مونتيفيوري بعض دول الخليج باعتبارها، في نظره، نموذجًا يقوم على الاستقرار والازدهار الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي النسبي والبراغماتية السياسية.
لكنه يرى أن نجاح هذا النموذج لم يعتمد على النفط وحده، بل كذلك على البيئة الأمنية والتجارة والقدرة على اتخاذ القرارات بسرعة.
ويحذر في الوقت نفسه من أن هذا النموذج يظل مرتبطًا بقدرته على توفير الأمن.

7- الدفاع والقوة العسكرية
هذه واحدة من أكثر توقعات المقال لفتًا للانتباه.
يرى مونتيفيوري أن الحروب والتوترات الإقليمية قد تدفع دول الخليج إلى إعطاء الدفاع والقوة العسكرية وزنًا أكبر إلى جانب الاقتصاد والثقافة والاستثمار، مشيرا إلى أنها دول تحاول الجمع بين الحفاظ على الازدهار وبناء قدرة أكبر على حماية نفسها.
8- أميركا باقية.. لكن الاعتماد عليها قد يتراجع
لا يتوقع مونتيفيوري خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
على العكس، يرى أنها ستبقى القوة الخارجية الأهم والشريك الأمني الذي تسعى إليه دول عديدة، لكنه ينتقد تقلبات السياسة الأميركية ويعتقد أن ذلك قد يدفع بعض دول المنطقة إلى تجنب الاعتماد الكامل على واشنطن.
والنتيجة، وفق رؤيته، ليست نهاية الدور الأميركي، وإنما تنويع الشراكات.
9- الصين تستفيد من عالم متعدد الشركاء
هنا تدخل الصين بقوة إلى الصورة.
فالكاتب يتوقع اتساع حضور بكين من خلال التجارة والطاقة والموانئ ومبادرة «الحزام والطريق» وعلاقاتها مع دول تبحث عن خيارات إضافية إلى جانب الولايات المتحدة.
وبذلك قد لا يكون السؤال: «هل تحل الصين محل أميركا؟»، بل: هل يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة تتنافس فيها قوى عدة بينما تتعامل دوله معها جميعًا؟
10- التحالفات القديمة لم تعد كافية
يرصد مونتيفيوري ظهور اصطفافات كان من الصعب تصورها قبل سنوات، ويشير إلى التقارب الإماراتي الإسرائيلي في مواجهة إيران مثالًا على الطريقة التي يمكن بها للمخاوف الأمنية والمصالح المشتركة أن تعيد ترتيب العلاقات.
كما يشير إلى وجود قوات ومستشارين من دول تقع خارج المجال العربي التقليدي، ما يعكس تداخل مسارح الأمن في الشرق الأوسط مع جنوب آسيا وأوروبا ومناطق أخرى.
بالنسبة إليه، لم تعد التحالفات تقوم فقط على الهوية أو التاريخ، بل بصورة متزايدة على المصلحة والتهديد المشترك.
11- قد تتغير الدول نفسها وليس تحالفاتها فقط
يذهب المقال إلى سيناريو أكثر جرأة: احتمال تغير شكل بعض الدول والكيانات السياسية.
ويشير الكاتب إلى الأزمات في السودان وليبيا واليمن والصومال، ويتوقع إمكانية ظهور كيانات شبه دولية أو اتحادات وترتيبات سياسية وأمنية وحدود جديدة.
لكن هذه السيناريوهات تظل توقعات استشرافية للكاتب وليست خرائط سياسية قائمة أو نتائج محسومة.
12- مضيق هرمز قد يفقد جزءًا من أهميته
ينقل مونتيفيوري التحليل من السياسة إلى الجغرافيا الاقتصادية.
فالصراعات المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز، بحسب رؤيته، يمكن أن تزيد الحوافز لبناء خطوط أنابيب ومسارات بديلة لنقل الطاقة والبضائع باتجاه موانئ البحر المتوسط.
وإذا تحقق ذلك، يتوقع أن تنخفض الأهمية النسبية لهرمز بمرور الوقت.
وتصبح هنا الموانئ والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والممرات التجارية أدوات قوة استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد والجيوش.
13- تكتلات جديدة قد تربط الخليج بجنوب آسيا والمتوسط
يطرح المقال سيناريوهات لتحالفات عابرة للتقسيمات التقليدية.
ويتحدث مونتيفيوري عن تقارب تركيا والسعودية وباكستان، في مقابل شبكات مصالح أخرى يمكن أن تربط الهند وإسرائيل ودولًا خليجية ومتوسطية وأفريقية وآسيوية.
كما يرى أن ممرًا يربط الهند بالشرق الأوسط والبحر المتوسط ينسجم مع التحول الأوسع في طرق التجارة.
لكنها تظل سيناريوهات محتملة وليست تحالفات قائمة بالشكل الذي يتصوره الكاتب.
14- الحرب الجديدة تُخاض بالصاروخ والمسيّرة والشاشة
الحرب في الشرق الأوسط لم تعد، في قراءة مونتيفيوري، حرب الجنود والدبابات والطائرات فقط.
المسيّرات والهجمات الرقمية والإعلام والتكنولوجيا وشبكات الاتصال أصبحت جزءًا من ميدان المعركة.
واللافت أن بعض هذه التقنيات تمنح الطرف الأضعف قدرة أكبر على إزعاج أو تهديد خصم يفوقه كثيرًا من حيث الموارد والقوة التقليدية.
ومن هنا يرى الكاتب استمرار مفارقة تاريخية في الشرق الأوسط: الحرب تدمر المدن والمجتمعات، لكنها تدفع أيضًا إلى تطوير أدوات وتقنيات وأساليب جديدة للصراع.
15- يبدأ بابن عربي وينتهي بفكرة التعايش
بعد كل الحديث عن إيران وإسرائيل وتركيا والخليج والصين وأميركا والصواريخ والممرات التجارية، يعود مونتيفيوري في نهاية المطاف إلى شخصية من القرن الثالث عشر: محيي الدين ابن عربي.
بدأ الكاتب مقاله بابن عربي الذي تنقل من الأندلس إلى المغرب والقاهرة ومكة ودمشق وسط عالم تمزقه الصراعات، مستحضرًا رؤيته التي تجاوزت الهويات الضيقة ونظرت إلى الإنسان والأفكار من خلال قيمتها لا منشئها.
وفي نهاية رحلته عبر الشرق الأوسط المقبل، يستحضر أيضًا الشاعرين الفلسطيني محمود درويش والإسرائيلي يهودا عميحاي، ليصل إلى فكرة مفادها أن السلام يحتاج إلى معرفة رواية الآخر والاعتراف بها.
وهنا تظهر المفارقة التي يريد مونتيفيوري أن يختم بها رؤيته: الشرق الأوسط الذي أنتج قرونًا من الصراعات أنتج أيضًا أفكارًا عن التسامح والتعايش.
خريطة لم تكتمل بعد
لا يرسم مونتيفيوري مستقبلًا واحدًا للشرق الأوسط، ولا ينبغي التعامل مع توقعاته بوصفها خريطة مؤكدة لما سيحدث.
لكن الخيط الذي يجمع أفكاره الخمس عشرة واضح: القواعد القديمة التي فُهمت بها المنطقة لم تعد كافية وحدها.
الخليج أصبح أكثر نفوذًا، وتركيا وإيران وإسرائيل قوى عسكرية مركزية، والصين تتقدم اقتصاديًا واستراتيجيًا، فيما تبقى الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا. وفي الوقت نفسه، تربط الموانئ والممرات التجارية والمسيّرات والاستثمارات والتحالفات المرنة الشرق الأوسط بجنوب آسيا وأفريقيا وأوروبا بصورة متزايدة.
لهذا فإن الفكرة الأكثر أهمية في قراءة مونتيفيوري ربما لا تكمن في توقع حدود جديدة أو تحالف بعينه، بل في السؤال الذي يطرحه مجمل مقاله:
هل ما زالت الخريطة التي اعتاد العالم أن يرى من خلالها الشرق الأوسط صالحة لفهم المنطقة التي تتشكل الآن؟