أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
مكان

ليلة ضاع فيها جوازا السفر.. محمد وزيد في متاهة ميونخ 

ليلة ضاع فيها جوازا السفر.. محمد وزيد في متاهة ميونخ 
في حلقة جديدة من «مكان»، حكاية ليلة ظلّت عالقة في الذاكرة بين الخوف والأخوّة والنجاة

المكان: ميونخ.. من شارع فرانكفورتر رينغ إلى قطار إس 8 ومحطة ميونخ المركزية

الشخصيات: العراقيان محمد وشقيقه زيد.

في حلقة جديدة من «مكان»، حكاية ليلة ظلّت عالقة في الذاكرة بين الخوف والأخوّة والنجاة.

الفصل الأول: لفظتنا المدينة

لم تكن ليلة يناير/ كانون الثاني من عام 2020 في ميونخ مجرد ليلة شتوية عادية، بل كانت زمهريرًا يختبر قدرة الإنسان على الاحتمال. في تمام السابعة مساءً، وتحت سماء مثقلة بالغيوم، وجد العراقيان محمد وشقيقه زيد نفسيهما ملقيين في شارع “فرانكفورتر رينغ”. مالك الشقة، بوجهٍ خالٍ من أي تعاطف وبنبرة متعجرفة، خيّرهما بين خيارين: إما المغادرة فورًا مع استرداد 2000 يورو من مبلغ التأمين وحجز 1000 يورو كرهينة لفواتير طاقة وهمية، أو البقاء لليلة واحدة بلا قرش واحد ورمي المفتاح في صندوق البريد عند الفجر.

أمام تعنت الرجل ورفضه لأي نداء إنساني، اختار الأخوان كرامتهما. سحبا أربع حقائب سفر ضخمة، وحقيبتي ظهر، وحقيبتي حاسوب محمول، ووقفا في العراء. كانت الذكريات في ذلك الاستوديو الصغير تتلاشى مع أنفاسهما المتطايرة في الهواء البارد. بعد وجبة سريعة في مطعم تركي مجاور، قسّم محمد عبء المال؛ أعطى زيد 1000 يورو ليخبئها في حقيبته، واحتفظ بالباقي. جرّا ثقل أمتعتهما تحت رذاذ المطر، يطرقان أبواب الفنادق في منطقة ميلبرتسهوفن-آم هارت في ميونخ، لكن الرفض كان الجواب الوحيد. في التاسعة مساءً، وتحت وطأة الإرهاق، اتخذ محمد القرار البديل: التوجه إلى المطار والمبيت هناك حتى موعد رحلتهما إلى الدوحة في الثامنة صباحًا.

الفصل الثاني: الهاوية في الصالة رقم 2

رحلة القطار نحو محطة ميونخ المركزية ثم إلى المطار كانت بمثابة فاصل للراحة الجسدية. في القطار، خلع محمد حقيبة ظهره الثقيلة ليحرر كتفيه من ألمٍ حارق، واستسلم لغفوة قصيرة. بعد أربعين دقيقة، وصلا إلى المطار. جرّا الحقائب الكبيرة نحو الصالة رقم 2، قاصدين مطعم ماكدونالدز لالتقاط الأنفاس.

وهناك، في لحظة سكون قاتلة، مد محمد يده ليتحسس ظهره. تجمد الدم في عروقه، وسقط قلبه في بئر بلا قاع: الحقيبة ليست على ظهره.

“زيد.. الحقيبة غير موجودة”.

أربعة آلاف يورو، والأهم: جوازا السفر العراقيان. تذكرتا العبور الوحيدتان نحو الحياة، واللتان يعني فقدانهما الدخول في نفق مظلم من الإجراءات المستحيلة. تبخرت الحقيبة، ومعها تبخرت ملامح المستقبل. في مركز شرطة المطار، كان الرد أشد برودة من طقس ميونخ؛ شرطي شاحب الملامح، خالٍ من أي انفعال بشري، أخبرهما ببرود أن الحقيبة إما سُرقت أو أنها في قسم المساعدة في المحطة المركزية، ولا مجال للمساعدة.

في حمام المطار، انهار خط الدفاع الأخير. وجد محمد أخاه زيد يبكي بصمت، دموع ساخنة تنحدر على وجهه دون صوت. سقطت هيبة الأخ الأكبر، وبكى محمد معه. لكن وسط هذا الانكسار، استجمع زيد قواه وقال بصلابة مفاجئة: “يجب أن نعود إلى المحطة المركزية”.

الساعة الآن الحادية عشرة والنصف ليلًا. رحلة العودة على قطار إس 8 كانت أربعين دقيقة من الجحيم. كل ثانية كانت إبرة تُغرز في عقل محمد. صراع فصامي يمزق رأسه؛ صوت يهمس بالأمل، وآخر يصرخ بحتمية الضياع. رنّ الهاتف؛ إنه والدهما. شُلت أحبال محمد الصوتية، فتلقف زيد الهاتف ببراعة، متحدثًا بنبرة هادئة طمأنت الأب، مخفيًا الكارثة التي تعصف بهما.

الفصل الثالث: معجزة منتصف الليل والهروب الأخير

وصلا إلى المحطة المركزية وركضا كمن يسابق الموت نحو مكتب المفقودات. التقط محمد أنفاسه بصعوبة وهو يشرح للموظف الألماني مواصفات الحقيبة. رفع عينيه، وهناك، فوق خزانة الموظف، كانت ترقد حقيبته.

بدأ الاستجواب الأمني. سأله الموظف عما بداخلها، فأجاب محمد بدقة. وحين سأله عن الجيب الأمامي، التمعت في ذاكرته بطاقة هوية قديمة من معهد غوته الألماني في أنقرة، تعود لعام 2018. نطق باسمه بسرعة، فاستسلم الموظف وسلمه إياها.

في منتصف المحطة وبالقرب من مركز المساعدة، غاب عقل محمد عن واقعه. فتح المحفظة، وجد الجوازين، ثم بدأ يخرج الرزم المالية، غير مدرك أنه يقف في بؤرة تعج بالمشردين والمدمنين. صرخ أحد الموظفين منبهًا: “انظروا، لديه أموال كثيرة!”. أصيب محمد بنوبة هستيرية وهو يضم ماله صارخًا: “إنها أموالي!” قبل أن يفر مع أخيه نحو القطارات.

طريق العودة إلى المطار كان كوميديا سوداء؛ ركبا قطارًا خاطئًا اتجه بهما جنوبًا، بعيدًا عن المطار. نزلا في محطة مكشوفة متجمدة تحت الصفر، ركبا قطارًا آخر ليكتشفا أنه خاطئ أيضًا. أخيرًا، لمحا القطار الصحيح. ألقى محمد جسده المنهك على المقعد وقال لزيد بابتسامة متعبة: “والله لن أنزل حتى أقرأ عبارة مرحبًا بكم في الدوحة”.

في مطعم ماكدونالدز، نام زيد واضعًا رأسه على قدم أخيه. راقب محمد أخاه الصغير، مثقلًا بالندم على الرعب الذي تسبب به. وفي الثامنة صباحًا، حين أقلعت طائرة الخطوط الجوية القطرية، ولامست عجلاتها السماء تاركة ألمانيا خلفها، سرى في جسد محمد مخدّر من نوع غريب؛ راحة النجاة.

بعد خمس سنوات، في عام 2025، عاد محمد إلى ميونخ. وقف في ذات المحطة، وركب ذات القطار “S8”. كان يراقب الأماكن كأنها مشاهد من فيلم سينمائي بطلُه شخص آخر، مستحضرًا نوبة الذعر القديمة ليتعلم منها، بينما لا تزال يده، وإلى اليوم، تتحسس حقيبة ظهره بشكل وسواسي لا إرادي كلما طار من مكان إلى آخر.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.