لسنوات كان رئيس الاستخبارات الألمانية السابق أوغست هانينغ ينتقد أجهزة بلاده، واصفاً إياها بأنها أشبه بـ«نباتيين» وسط حيوانات مفترسة تتربص بفرائسها، في إشارة إلى محدودية أدواتها مقارنة بخصومها. وكان يطالب بمنحها صلاحيات أوسع لحماية ألمانيا في عالم محفوف بالمخاطر.
لكن هانينغ، الذي كثيراً ما وُصف بأنه «الأب الروحي» للمنظومة الأمنية الألمانية في القرن الحادي والعشرين، يواجه الآن اتهامات بالتجسس والخيانة وتسليم أسرار الدولة إلى قوة أجنبية، في واحدة من أبرز قضايا الاختراق الاستخباراتي المزعومة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإذا ثبتت هذه الاتهامات، فقد يكون هانينغ ألحق بالتعاون الأمني الدولي لألمانيا أضراراً يتعذر إصلاحها، وكشف في الوقت نفسه عن ثغرات داخلية خطيرة، في قضية تبدو أحداثها وكأنها مقتبسة من رواية إثارة سياسية يصعب تصديقها.
توقيف هانينغ، البالغ 80 عاماً، لا يثير تساؤلات بشأن سلوك مسؤول سابق فقط، بل بشأن قدرة الجهاز على حماية أسراره، وحدود عمل كبار مسؤوليه بعد التقاعد، وثقة الحلفاء بالمعلومات التي يشاركونها مع برلين.
لكن القضية ما زالت قيد التحقيق، وهانينغ ينفي عبر محاميه تمرير معلومات سرية بما يضر ألمانيا. ولم تصدر إدانة قضائية بحقه.
ما الذي يُشتبه في حدوثه؟
تولى هانينغ رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، المعروف اختصاراً باسم «بي إن دي» (BND)، بين عامي 1998 و2005.
وبحسب الادعاء العام، يُشتبه في أنه اتفق عام 2010 مع مساعده السابق، الذي عُرّف باسم «مانفريد د.» وفق قواعد الخصوصية الألمانية، على تزويده بمعلومات استخباراتية مقابل المال.
وتكمن حساسية الأمر في أن مانفريد واصل العمل داخل الجهاز، وشغل منصب رئيس مكتب عدد من رؤسائه اللاحقين منذ عام 2012، ما أتاح له الوصول إلى معلومات رفيعة المستوى.
ويقول المحققون إن المساعد سلّم هانينغ نحو ألفي وثيقة خلال 12 عاماً، حتى يونيو/حزيران 2022، وإن هانينغ استغل المعلومات لتحقيق منفعة مالية في عمله الاستشاري الخاص بعد مغادرة المنصب.
هل وصلت الأسرار إلى أجهزة أجنبية؟
تتضمن الشبهات إعداد هانينغ تحليلاً باستخدام معلومات سرية لموظف في جهاز استخبارات أجنبي. لكن الادعاء أوضح، وفق «أسوشيتد برس»، أنه لم يتمكن بعد من تحديد ما إذا كان التقرير وصل إلى الشخص المقصود.
وفي واقعة أخرى، يُشتبه في أنه نقل معلومات عقب تواصل موسع شمل موظفاً في جهاز استخبارات أجنبي آخر.
ولم يعلن الادعاء هوية الأجهزة أو الدول المعنية. أما «دير شبيغل»، فذكرت أذربيجان والصين ضمن جهات محتملة، وهي معلومات لم تؤكدها السلطات، فيما نفت باكو ضلوعها في القضية.
وتشير «الغارديان» إلى أن روسيا لا تبدو، بحسب التقارير المتاحة، متلقياً مباشراً للمعلومات المزعوم تسريبها. ولذلك، لا يصح ربط القضية بموسكو لمجرد تزامنها مع تحذيرات ألمانية من النشاط الروسي.
ماذا يقول الدفاع؟
نقلت «أسوشيتد برس» عن محامي هانينغ، ليون كروزه، إقراره بأن موكله كان بحوزته وثائق سرية، لكنه رفض الادعاء بأنه مرّر محتوياتها بما يضر ألمانيا، أو فعل ذلك مقابل المال.
ويرى الدفاع أن الملاحقة غير مبررة. ويظل حيازة الوثائق، وكيفية الحصول عليها، واستخدامها، ووصولها إلى أطراف أخرى مسائل منفصلة يحتاج التحقيق إلى إثباتها وتحديد المسؤولية القانونية عنها.
وهانينغ ومساعده السابق رهن الحبس الاحتياطي. وبحسب «الغارديان»، قد يواجه هانينغ عقوبة تصل إلى عشر سنوات إذا أُدين.
لماذا توصف القضية بأنها «طعنة في القلب»؟
لم تكن الوثائق، وفق التقارير، مجرد أوراق إدارية. فقد شملت مواد سرية تُستخدم في الإحاطات والتقديرات المقدمة إلى كبار المسؤولين، ومن بينهم المستشار الألماني.
ووصف نائب رئيس الجهاز السابق، أرندت فرايتاغ فون لورينغهوفن، هذه المواد بأنها من أثمن ما يمتلكه الجهاز، لأنها تضم أهم التقييمات التي يرفعها رئيسه إلى القيادة السياسية.
وتنبع خطورتها من أنها قد تكشف ما تعرفه ألمانيا، وكيف تفسر التهديدات، وأي المعلومات تعتمد عليها في اتخاذ القرارات.
كما نقلت «الغارديان» عن مسؤول غربي تحدث إلى «رويترز» أن الوثائق تضمنت معلومات استخباراتية أميركية. ولم تعلق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على القضية.
وهنا تتجاوز المخاوف حدود ألمانيا: إذا اعتقدت أجهزة حليفة أن معلوماتها قد تتسرب عبر شريك، فقد تصبح أكثر تحفظاً في مشاركتها معه. ويرجح الباحث لوكا مانس أن يظهر الضرر في صورة تآكل تدريجي للتعاون، وليس بالضرورة قطيعة فورية.
في المقابل، قال رئيس لجنة الرقابة البرلمانية على الاستخبارات، مارك هنريشمان، إنه لا يزال واثقاً بأن الأجهزة الألمانية تتمتع بسمعة دولية عالية، مع تأكيد ضرورة التواصل مع الحلفاء ومعالجة مخاوفهم.
كيف انكشفت القضية؟
بحسب «الغارديان»، ظهرت الشبهات أثناء جمع الأدلة في تحقيق منفصل يتعلق بخطف أطفال ونزاع عائلي مرتبط بعائلة تملك سلسلة مطاعم.
ويُتهم هانينغ في تلك القضية بالمساعدة عبر اتصالاته بأوساط استخباراتية إسرائيلية. وهذه أيضاً اتهامات تحتاج إلى إثبات، لكنها توضح كيف قاد تحقيق مختلف إلى الاشتباه في تسريب معلومات من جهاز الاستخبارات.
وتورد الصحيفة كذلك تقارير عن التزامات مالية على هانينغ مرتبطة بعضويته السابقة في مجلس رقابة بنك لاتفي انهار عام 2019. وتطرح احتمال وجود دافع مالي، لكن هذه الخلفية لا تثبت وحدها سبب التصرفات المنسوبة إليه أو صحتها.
أزمة فردية أم خلل في النظام؟
دير شبيغل تضع القضية في إطار أوسع: إلى أي مدى يستطيع مسؤولون سابقون تحويل علاقاتهم ومعرفتهم الداخلية إلى مصدر دخل، وأين تنتهي الاستفادة المهنية المشروعة وتبدأ إساءة استخدام أسرار الدولة؟
وتأتي هذه الأسئلة بعد قضايا تجسس أخرى داخل الجهاز، منها قضية موظف اتُّهم عام 2022 بتمرير وثائق إلى الاستخبارات الروسية، وقضية موظف كُشف عام 2014 أنه نقل أكثر من 200 وثيقة إلى الاستخبارات الأميركية، ثم حُكم عليه بالسجن عام 2016.
هذه السوابق لا تثبت الاتهامات الحالية، لكنها تزيد الضغط للإجابة عن أسئلة جوهرية: كيف أمكن إخراج هذا العدد من الوثائق طوال سنوات؟ وهل كان هناك آخرون؟ وأين انتهت المعلومات؟
توسيع الصلاحيات.. وتشديد الرقابة
تزامنت القضية مع سعي الحكومة الألمانية إلى منح أجهزتها الاستخباراتية صلاحيات أوسع لمواجهة التخريب والهجمات الإلكترونية والتهديدات الخارجية، وتقليل اعتمادها على معلومات الحلفاء.
ويرى بعض الخبراء أن الفضيحة لا ينبغي أن توقف تعزيز قدرات الجهاز. لكن سياسيين وباحثين يدعون، بالتوازي، إلى فرض قيود أشد على الأعمال الاستشارية للمسؤولين الأمنيين السابقين، ووصلت بعض المطالب إلى حظر ممارسة أنشطة الضغط لصالح جهات أخرى مدى الحياة على كبار ضباط الاستخبارات.
أما الحكومة، فتؤكد دعم التحقيق وانتظار نتائجه لتحديد التغييرات المطلوبة.
وهكذا، تفتح قضية هانينغ نقاشاً يتجاوز مصير رجل واحد: كيف تمنح الدولة استخباراتها أدوات أقوى، وتضمن في الوقت نفسه أن تبقى أسرارها تحت الرقابة، حتى بعد مغادرة أصحابها مناصبهم؟
المصادر/الغارديان- أسوشيتد برس -دير شبيغل