في مقال نشره موقع ذا ديسباتش الأميركي اليوم الأربعاء، يستعرض الضابط السابق في الجيش ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كيفن كارول تجربته في العراق، محاولاً الفصل بين تقييم قرار الغزو، وتقييم خدمة الجنود الذين شاركوا فيه، ويتساءل الكاتب عما إذا كان بالإمكان الإقرار بأن حرب العراق كانت خطأ، مع الاعتقاد بأن بعض ما تحقق خلالها يستحق التقدير.
ويستهل الكاتب مقالته بالحديث عن مغادرة القوات الأميركية العراق في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، بعد وجود امتد منذ غزو عام 2003. ويقول إن التغطيات التي قرأها غلب عليها التشاؤم، وهو يتفهم ذلك لأن الحرب، في رأيه، كانت خطأ وأصبحت غير شعبية. لكنه يرى أن هذه التغطيات لا تستوعب جميع جوانب التجربة كما يتذكرها.
قرار الغزو في ظل الخوف بعد 11 سبتمبر
كان كارول ضابط استخبارات برتبة نقيب في الاحتياط، يعمل في هيئة الأركان المشتركة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، عندما كانت إدارة الرئيس جورج بوش تستعد للحرب.
ويشرح أن الرئيس الأميركي كان يتلقى بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول تقارير متلاحقة عن احتمال وقوع هجمات جديدة، بعضها استند إلى تهديدات فعلية، وبعضها تضمن معلومات ضعيفة أو غير صحيحة، بينها مخاوف من حصول تنظيم القاعدة على سلاح نووي.
ويستعيد حادثة إنذار بشأن سفينة في ميناء نيويورك، اشتُبه في وجود مواد نووية على متنها، قبل أن يتبين أن شحنتها من بلاط السيراميك تسببت في قراءة إشعاعية مضللة. ويستخدم هذه الواقعة لتوضيح المناخ الأمني الذي أحاط بصنع القرار آنذاك.
ويرى الكاتب أن إحاطة الرئيس بكل تهديد محتمل، بما فيه المعلومات التي لم تخضع لتدقيق كافٍ، ربما جعلت التمييز أصعب بين الخطر الحقيقي والإنذارات غير الموثوقة. ويطرح ذلك كتفسير محتمل لتقدير بوش للمخاطر، لا كحقيقة مثبتة بشأن دوافعه.

أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة
يقر كارول بأن التقديرات التي بُني عليها الغزو بشأن أسلحة الدمار الشامل كانت خاطئة، وأن الأدلة لم تثبت وجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة.
ويعرض أمثلة على معلومات أثارت آنذاك الشكوك في وجود صلات، قبل أن تتضح، بحسب روايته، تفسيرات أخرى لها. ويقول إن المسؤول الذي أشرف على عمله حمى المحللين من الضغوط للوصول إلى إجابة سياسية محددة.
ومع ذلك، يدافع الكاتب عن نيات بوش، معتبراً أنه لم يتعمد الكذب، بل اتخذ قراراً خاطئاً ذا نتائج مأساوية.
كما يقترح أن عملية محدودة ضد شبكة أبي مصعب الزرقاوي قبل الغزو ربما كانت ستغيّر مسار الأحداث. لكن هذا يظل تصوراً افتراضياً لنتيجة لم تُختبر، ولا يثبت أن تدخلاً محدوداً كان سيمنع الحرب أو العنف اللاحق.
من تأييد الحرب إلى الشعور بالمسؤولية
يعترف كارول بأنه أيد الغزو، وتجاهل نصيحة زميل رأى ضرورة استكمال المهمة في أفغانستان قبل فتح جبهة أخرى. ويقول إن تأييده للحرب ولّد لديه التزاماً أخلاقياً بالمشاركة فيها، خصوصاً بعدما تدهورت الأوضاع.
وصل إلى العراق عام 2006 للعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية، في مرحلة تصاعد العنف الطائفي عقب تفجير ضريح الإماميين العسكرين في سامراء بمحافظة صلاح الدين شمال بغداد، وهما من أهم المراقد المقدسة لدى الشيعة. وشملت مهماته تقديم الدعم الاستخباراتي لوحدات أميركية في وادي الفرات.
ويستعيد بداية «صحوة الأنبار»، عندما انقلبت عشائر سنية على تنظيم القاعدة ومقاتليه الأجانب، ثم عاد في مهمة لاحقة للمساعدة في إسناد القوات العراقية المعنية بمكافحة الإرهاب.
وتحمل شهادته شعوراً بالذنب تجاه الجنود الذين قُتلوا أو أصيبوا في الوحدات التي دعمها. ويقول إنه لا يستطيع قبول الثناء على المعلومات التي ساعدت في إنقاذ أرواح، دون الإقرار بما يشعر به من مسؤولية عن الأرواح التي لم يتمكن من حمايتها.
كلفة بشرية ومالية وأخطاء جسيمة
يؤكد الكاتب أن الاعتراف بشجاعة الجنود لا يلغي الثمن الإنساني للحرب، من القتلى والجرحى الأميركيين وقوات التحالف، إلى أعداد كبيرة من العراقيين، ولا سيما المدنيين.
ويعدد أخطاء أساسية، بينها ضعف التخطيط لما بعد الغزو، والتوسع في اجتثاث البعث، والتأخر في تعديل استراتيجية مواجهة التمرد، والانتهاكات في سجن أبو غريب. ويرى كذلك أن الانسحاب الأميركي عام 2011 كان متسرعاً، وهو حكم سياسي يقدمه في ضوء العودة اللاحقة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.
ويشير إلى كلفة الحرب التي بلغت تريليونات الدولارات، معتبراً أن هذه الموارد كان يمكن توفيرها أو توجيهها إلى احتياجات داخلية. كما يرى أن التركيز الطويل على الشرق الأوسط أثّر في استعداد الولايات المتحدة لمواجهات محتملة مع قوى كبرى.
ما الذي يعتبره مكسباً؟
رغم نقده قرار الغزو، يرى كارول أن إنهاء حكم صدام حسين، وقيام نظام انتخابي، وتطور قدرات عراقية في مكافحة الإرهاب، تمثل جوانب إيجابية في حصيلة الحرب.
ويصف النظام العراقي الحالي بأنه ديمقراطية تعاني عيوباً كبيرة ونفوذاً إيرانياً قوياً. ويستند إلى طلب الحكومة العراقية المنتخبة مغادرة القوات الأميركية للقول إن واشنطن تحترم هذا القرار.
أما الاعتقاد بأن مواجهة المتطرفين في العراق ربما منعت هجمات داخل الولايات المتحدة، فيقر الكاتب بأنه احتمال لا يمكن إثباته، وربما يكون أملاً أو محاولة لتبرير التجربة.
وتنتهي شهادته بالتعبير عن تقديره للجنود الذين خدم معهم، مع ترك الحكم على قيمة الخدمة لكل مشارك. وبذلك يظل المقال مراجعة شخصية من داخل التجربة العسكرية الأميركية؛ يقر بخطأ الحرب وكلفتها، لكنه يمنح مساحة أوسع لتضحيات الجنود الأميركيين من التجارب العراقية المتنوعة ونتائج الحرب على المجتمع والدولة.