تبحث واشنطن خيارات عسكرية جديدة ضد إيران، قد تشمل استخدام القنبلة المعروفة باسم «أم القنابل»، وسط تعثّر المسار الدبلوماسي وضغوط سياسية متزايدة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
لكن التقارير التي كشفت هذه الخطط تطرح سؤالاً أساسياً: هل تستطيع ضربة أشد تدميراً تحقيق أهداف لم تحقّقها العمليات السابقة، أم أنها قد توسّع التصعيد من دون توفير مخرج سياسي؟
وبحسب شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطّلعين، أعدّ الجيش الأميركي خططاً لضرب منشآت للطاقة ومواقع نووية إيرانية، تتضمّن احتمال استخدام القنبلة قنبلة “جي بي يو-43/بي” ( GBU-43/B )، الملقّبة بـ«أم القنابل». وتبقى هذه الخيارات مشروطة بقرار من ترامب باستئناف العمليات القتالية.
قوة انفجار هائلة
تزن القنبلة نحو 9.8 أطنان، وهي سلاح تقليدي متفجّر موجّه بنظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، طوّره مختبر أبحاث القوات الجوية الأميركية في قاعدة إيغلين الجوية بولاية فلوريدا، وهي ذات انفجار هائل وتنفجر فوق سطح الأرض لتوليد موجة ضغط شديدة تمتد على مساحة واسعة. غير أن ضخامة الانفجار لا تعني بالضرورة القدرة على تدمير منشآت محصّنة في أعماق الجبال.
وقد طُوّرت بوتيرة سريعة قبيل غزو العراق عام 2003، وأُجريت اختباراتها في مارس/آذار من العام نفسه. ويركّز تصميمها على توليد موجة انفجار بالغة القوة، بدلاً من اختراق المنشآت العميقة شديدة التحصين.
و«أم القنابل» ليست سلاحاً نووياً؛ إذ تستمد قدرتها التدميرية من متفجّرات تقليدية، بينما يتيح توجيهها بالأقمار الاصطناعية إيصالها إلى موقع محدّد. لكن دقّة إيصال القنبلة لا تعني حصر آثار انفجارها في ذلك الموقع. فاتساع نطاق الانفجار يميّزها عن الذخائر الأصغر الموجّهة بدقّة، التي قد تكون آثارها التدميرية أكثر محدودية من الناحية الجغرافية.
واستخدمت الولايات المتحدة ” أم القنابل” للمرة الأولى في القتال يوم 13 أبريل/نيسان 2017، مستهدفةً مجمّع أنفاق لتنظيم «داعش–خراسان» في ولاية ننغرهار الأفغانية. ووصفت القيادة المركزية الأميركية العملية بأنها استهدفت تدمير مواقع محصّنة وتقليل المخاطر على القوات الأميركية والأفغانية التي كانت تنفّذ عمليات في الجوار.
وتنقل «سي إن إن» عن مصادر مطّلعة شكوكاً بشأن فاعليتها ضد مواقع نووية إيرانية عميقة وشديدة التحصين، مثل ” جبل الفأس”، حيث تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن إيران تخزّن مكوّنات مرتبطة ببرنامجها النووي، داخل منشآت تحميها طبقات من الصخور.
والفارق هنا جوهري: القنبلة مصمّمة لإحداث انفجار واسع، وليست ذخيرة متخصّصة في الاختراق العميق للتحصينات. ولذلك قد تُلحق دماراً كبيراً بالأهداف السطحية، من دون ضمان تدمير المنشآت المدفونة تحتها.
كما تحذّر المصادر من أن استخدامها قرب مناطق مأهولة أو مرافق مدنية قد يرفع مخاطر سقوط ضحايا وإلحاق أضرار واسعة بالبنية الأساسية.
هدف عسكري أم صدمة نفسية؟
بحسب تقرير شبكة ” سي إن إن”، لا يقتصر النقاش الأميركي على الأثر التدميري للسلاح، بل يشمل تأثيره النفسي والسياسي المحتمل.
فبعض المسؤولين يرون أن استخدام قنبلة بهذا الحجم قد يبعث برسالة ضغط قوية إلى القيادة الإيرانية. لكن مصادر أخرى تشكّك في أن يدفع ذلك طهران إلى قبول المطالب الأميركية، أو أن يحقّق انتصاراً استراتيجياً حاسماً.
وتشير التسريبات إلى بحث سيناريو توجيه ضربات إضافية، ثم تقليص الانتشار الأميركي في المنطقة، بما يتيح للإدارة تقديم العملية باعتبارها نهاية ناجحة للحرب. غير أن هذا يظل أحد السيناريوهات المنقولة عن مصادر مجهّلة، وليس خطة انسحاب معلنة أو قراراً نهائياً.
ويكشف هذا النقاش عن معضلة أوسع: يمكن للجيش إعداد قائمة من الأهداف ووسائل ضربها، لكن تحديد الشروط السياسية لإنهاء الحرب يحتاج إلى قرار يتجاوز التخطيط العسكري.

ترامب يقرّ بصعوبة التفاوض
في موازاة هذه التسريبات، نقل موقع «ذا هيل» عن ترامب قوله، خلال تجمّع انتخابي في مونتانا مساء الأربعاء، إنه لا يعرف مع مَن تتفاوض واشنطن لإنهاء الحرب.
وجاء تصريحه بعدما تحدّث عن تدمير قدرات عسكرية إيرانية ومقتل قادة، قائلاً إنه ربما كان ينبغي إبقاء هؤلاء القادة لأن غيابهم جعل تحديد الطرف الذي يمكن التفاوض معه أكثر صعوبة.
وتعكس هذه التصريحات تبايناً بين خطاب يؤكد إضعاف إيران عسكرياً، ومسار تفاوضي لم يُفضِ إلى تسوية.
وفي الجانب النووي، نقل موقع «ذا هيل» عن جيه دي فانس نائب الرئيس مطالبة طهران بخطوات ملموسة بشأن قدراتها على تخصيب اليورانيوم، موضحاً أن واشنطن تريد تبادل إجراءات عملية، لا الاكتفاء بوعود.
انتخابات تقترب.. ومخرج سياسي لم يتبلور
تضع «سي إن إن» هذه المناقشات في سياق اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وقلق الجمهوريين من انعكاسات الحرب وكلفتها الاقتصادية على الناخبين.
وبحسب الشبكة، يبحث مستشارون عن مخرج يتيح لترامب إعلان مكسب يمكن تقديمه للجمهور الأميركي، مع إبقاء فرصة للتفاوض، ولا سيما بشأن الملاحة في مضيق هرمز.
ورغم إعلان ترامب أنه لن يتّخذ إجراءات جديدة قبل الانتخابات، نقلت الشبكة عن بعض مستشاريه عدم يقينهم بأن هذا الموقف نهائي.
أما الرد الرسمي، فاقتصر على تأكيد البيت الأبيض إبقاء جميع الخيارات متاحة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، فيما قالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إنه يخطّط لطيف واسع من السيناريوهات العملياتية. ولا يشكّل أيّ من الردّين تأكيداً لاعتماد خيار استخدام القنبلة.
خلفية أقدم لتقلّب الرسائل الأميركية
يساعد تحليل سابق نشرته شبكة «إيه بي سي نيوز»، على فهم الجدل الذي رافق الحرب منذ بدايتها، لكنه لا يمثّل وصفاً مستجداً للوضع الحالي.
فقد رصد التحليل اختلافاً في تفسيرات الإدارة لأسباب الحرب وأهدافها ومدّتها: بين مواجهة تهديد وشيك، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، والدعوة إلى تغيير قيادتها، ثم نفي أن يكون تغيير النظام هدفاً للعملية. كما قارن بين تقديرات أولية تحدّثت عن أسابيع، وتصريحات لاحقة أبقت المدّة مفتوحة.
وتخلص سي إن إن إلى أن الفجوة بين القدرة على توجيه ضربات أشد، والقدرة على تحويل نتائجها إلى تسوية تنهي الحرب ما زالت قائمة. فخيار «أم القنابل» قد يزيد الضغط العسكري والنفسي، لكنه قد لا يكون قادرا وحده على حسم الملف النووي أو فتح الطريق أمام اتفاق.