أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
مقالات ورأي

من فقه الفرد إلى فقه الدولة

من فقه الفرد إلى فقه الدولة

كريم محسن/ كاتب وإعلامي عراقي

إعادة الجدل حول قانون الأحوال الشخصية وطرح سؤال المواطنة في العراق؟

ليست كل القوانين متشابهة؛ فبعضها ينظم شؤوناً إدارية أو مالية، بينما يعيد بعضها الآخر تعريف العلاقة بين الفرد والدولة. ومن هذا النوع يبرز الجدل الذي رافق تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق؛ لأنه لم يكن مجرد نقاش حول مادة قانونية أو حكم فقهي، بل أعاد طرح سؤال ظل يرافق الدولة العراقية منذ تأسيسها: هل يكون القانون تعبيراً عن مواطنة واحدة، أم تتعدد مرجعياته بتعدد الانتماءات المذهبية؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى أقرب إلى الجدل الفكري، لكنه في حقيقته يمس حياة العراقيين اليومية. فعندما يلجأ الإنسان إلى مرجعه الديني، فإنه يبحث عن حكم يطمئن إليه ضميره ويبرئ ذمته أمام الله، أما عندما يقف أمام القاضي فإنه لا يمثل نفسه بوصفه متديناً فحسب، بل بوصفه مواطناً يخضع لسلطة الدولة.

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين فقه الفرد وفقه الدولة؛ فالأول ينظم علاقة الإنسان بمعتقده، أما الثاني فينظم علاقة المواطنين بعضهم ببعض، ويضع قواعد عامة تضمن العدالة والاستقرار والمساواة أمام القضاء. ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في وجود الفقه أو في حق الإنسان بالالتزام بمذهبه، فهذا حق تكفله حرية الاعتقاد، وإنما تبدأ عندما تنتقل بعض الأحكام من دائرة الإرشاد الديني إلى دائرة الإلزام القانوني. فالفتوى لا تلزم إلا من يختار الأخذ بها، أما القانون فيلزم الجميع، ولذلك فإن معياره الأول يجب أن يكون قدرته على تحقيق العدالة العامة، لا انتماؤه إلى مدرسة فقهية بعينها.

قانون عام 1959
ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، الذي شكّل أحد أهم التشريعات في تاريخ الدولة العراقية.
ولم يكن هذا القانون إلغاءً للفقه الإسلامي، كما يعتقد البعض، بل كان محاولة لتقنين أحكام مستمدة من اجتهادات فقهية متعددة ضمن إطار قانوني موحد. وقد قامت فلسفته على فكرة بسيطة لكنها عميقة، وهي أن الدولة تحتاج إلى مرجعية قانونية واحدة تنظم شؤون الأسرة، مع منح القضاء سلطة تقديرية تساعده على تحقيق العدالة في ضوء ظروف كل قضية.

صحيح أن القانون لم يكن مثالياً، وقد تعرض لتعديلات وانتقادات طوال العقود الماضية، إلا أنه حافظ على مبدأ أساسي يتمثل في وحدة المرجعية القانونية، وهو ما منح القضاء قدراً من الاستقرار، ووفّر للمواطنين إطاراً قانونياً واحداً تُحسم في ظله المنازعات الأسرية، بعيداً عن اختلاف الانتماءات المذهبية. كما أسهم القانون، بحسب كثير من رجال القانون، في توفير حماية قانونية للأسرة، ومنح المرأة والطفل ضمانات مهمة في عدد من المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة، مع إبقاء سلطة للقاضي في تقدير ظروف كل قضية، بما يحقق مصلحة الأسرة ضمن إطار القانون.

غير أن التعديلات الأخيرة أعادت فتح نقاش مختلف؛ فلم يعد السؤال مقتصراً على تعديل مادة هنا أو هناك، وإنما اتجه إلى طبيعة المرجعية القانونية نفسها. وهنا تكمن أهمية النقاش، لأنه يتجاوز النصوص إلى فلسفة الدولة: هل يبقى القانون إطاراً موحداً لجميع المواطنين، أم يفسح المجال لمرجعيات قانونية متعددة تستند إلى الانتماء المذهبي؟

السلة الواحدة
إن الجدل الذي رافق التعديلات لم يكن سببه النصوص وحدها، بل أيضاً الطريقة التي أُقرت بها.
فقد جاءت ضمن ما عُرف بـ”السلة الواحدة”، التي ضمت تعديل قانون الأحوال الشخصية، وقانون العفو العام، وقانون إعادة العقارات. وبغض النظر عن الموقف من كل قانون، فإن آلية إقرارها أثارت سؤالاً يتعلق بفلسفة التشريع نفسها: هل تُسن القوانين بعد نقاش مستقل حول المصلحة العامة، أم تصبح جزءاً من تسويات سياسية بين القوى المتنافسة؟

فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بالمعيار الذي يحكم عملية التشريع. وعندما يصبح التصويت على قانون مشروطاً بالتصويت على قانون آخر، ينتقل البرلمان تدريجياً من كونه مؤسسة تُشرّع باسم المجتمع كله إلى ساحة لإدارة التوازنات السياسية. وعندها لا يعود السؤال: هل هذا القانون يحقق العدالة والمصلحة العامة؟ بل يصبح: ماذا سيكسب كل طرف مقابل موافقته؟ وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأنه يمس الثقة بالتشريع قبل أن يمس نصوصه.

ومن هذه الزاوية، فإن المدونة الجعفرية ليست مجرد نص قانوني جديد، بل تمثل نموذجاً لإشكالية أوسع تتعلق بالعلاقة بين الفقه والدولة. فالفقه بطبيعته يقوم على الاجتهاد وتعدد الآراء، وهو يخاطب المؤمن الذي يختار مرجعه الديني بإرادته، أما القانون، فيحتاج إلى الوضوح والاستقرار؛ لأنه يخاطب جميع المواطنين دون تمييز، ويمنح القاضي قاعدة عامة يحتكم إليها عند الفصل في النزاعات.

وهذا لا يعني أن الدولة ينبغي أن تنفصل عن الدين أو أن تتجاهل التراث الفقهي، فالكثير من التشريعات في العالم تستلهم منظوماتها الأخلاقية والدينية. لكن هناك فرقاً بين استلهام القيم العامة وبين تحويل اجتهاد فقهي إلى قاعدة قانونية ملزمة. فالاجتهاد يبقى قابلاً للمراجعة والتعدد، بينما يحتاج القانون إلى قدر كبير من الثبات حتى يحقق الأمن القانوني واستقرار الأحكام.

ومن المهم هنا التمييز بين التعددية الدينية والتعددية القانونية. فالتعددية الدينية تعني احترام الدولة لحق المواطنين في اعتناق مذاهبهم وممارسة شعائرهم بحرية، أما التعددية القانونية فتعني اختلاف القواعد التي تنظم الحقوق والواجبات باختلاف الانتماء المذهبي. وقد يرى البعض أن هذا يعكس احترام الخصوصيات، بينما يرى آخرون أنه يطرح تحديات تتعلق بوحدة القضاء، والمساواة أمام القانون، والشعور بالمواطنة الجامعة.

ما وظيفة الدولة؟
ولذلك، فإن النقاش لا ينبغي أن يُختزل في تأييد المدونة أو رفضها، بل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً:
ما وظيفة الدولة؟ هل وظيفتها أن تنقل الاجتهادات الفقهية إلى نصوص قانونية، أم أن تصوغ قانوناً عاماً يستفيد من التراث الفقهي، لكنه يبقى مرجعاً موحداً لجميع المواطنين؟

ويبقى الجدل حول الأحوال الشخصية فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والدولة، وبين الفتوى والقانون، وبين حرية الاعتقاد وسيادة القانون. غير أن جوهر الخلاف لا يكمن في الفقه ذاته، ولا في حق الأفراد في الالتزام بمعتقداتهم، بل في الكيفية التي تُترجم بها تلك الاجتهادات إلى قواعد قانونية ملزمة داخل مؤسسات الدولة.

فالخلاف الحقيقي ليس بين الفقه والقانون، ولا بين الدين والدولة، وإنما بين تصورين لفكرة الدولة نفسها: دولة ترى أن المواطنة هي الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق والواجبات، وأن القانون يجب أن يكون مرجعية عامة يتساوى أمامها الجميع، ودولة تتيح أن تتعدد المرجعيات القانونية تبعاً للانتماءات المذهبية. وبين هذين التصورين سيستمر الجدل؛ لأن مستقبل الأحوال الشخصية ليس سوى جزء من سؤال أكبر يتعلق بـشكل الدولة العراقية التي يريدها أبناؤها.

وربما لا يكون المطلوب أن يتفق العراقيون على إجابة واحدة، فالتعدد في الآراء والاجتهادات سمة طبيعية في أي مجتمع حي، لكن المطلوب أن يبقى النقاش محكوماً بفكرة الدولة الجامعة، وأن يظل القانون أداة لتعزيز الثقة بين المواطنين، لا سبباً لإعادة إنتاج الانقسامات. فالدول تُبنى حين يشعر الجميع أن اختلافهم محفوظ، وأن مواطنتهم هي القاسم المشترك الذي لا يعلو عليه انتماء آخر. “فالاجتهاد يبقى قابلاً للمراجعة والتعدد، بينما يحتاج القانون إلى قدر من الثبات يحقق الاستقرار القانوني ويضمن اتساق الأحكام القضائية”.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ”أوج 24″.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

ليس هناك مؤامرة أيها السادة
مقالات ورأي

ليس هناك مؤامرة أيها السادة

في عام 2007، وبينما كان الاقتتال الطائفي ينهش أرواح الناس، ظهر رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي قائلا: “إن هناك تآمرًا على العراق ومحاولات للتدخل…

منذ 1 monthأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.