أثار فرض قيود على خدمة «ستارشيلد»، النسخة العسكرية من خدمة الاتصالات الفضائية «ستارلينك»، وعرقلة مهام الجيش الأوكراني تساؤلات بشأن المسؤول عنها، فيما تنتظر كييف تأكيداً باستعادة الخدمة بالكامل وسط توتر مع واشنطن.
وقال القائم بالأعمال الأوكراني لدى الولايات المتحدة، دينيس سينيك، في مقابلة مع قناة «نيوزماكس 2»، نشرتها السفارة الأوكرانية في واشنطن ليل 17 أكتوبر/تشرين الأول، إن أداء الخدمة تحسّن، لكن كييف لا تزال تنتظر توضيحات رسمية، وفقاً لوكالة الأنباء الأوكرانية ” يو إن إن” «UNN».
وأضاف سينيك أن «تكنولوجيا ستارشيلد حيوية لأوكرانيا، ونحن ممتنون بصدق للجانب الأميركي لإتاحة استخدامها».
وتابع: «حتى اليوم، ما زلنا ننتظر الرد الرسمي من البنتاغون وسبيس إكس على استفسارنا عمّا إذا كانت هذه الخدمة قد استُعيدت بالكامل».
وأوضح سينيك: «يمكنني القول إن الوضع الآن أصبح أفضل مما كان عليه قبل يومين. لكننا ما زلنا نشهد تقلبات في السرعة، وننتظر توضيحاً من البنتاغون وسبيس إكس بشأن ما إذا كانت المشكلة قد حُلّت والخدمة قد استُعيدت.
وجاء هذا التصريح بعد أن نقلت وكالة «أوكرينفورم»، الخميس، عن مصادر في وزارة الدفاع الأوكرانية أن الخدمة استؤنفت. كما أشار تحليل في «ذي أتلانتيك» إلى تقارير عن عودتها صباح الخميس. لكن تصريحات سينيك اللاحقة أظهرت أن تأكيد استعادة الأداء الكامل ظل معلقاً.
خلفية
وكان سينيك بعث في الساعات الأولى من صباح الأربعاء برسالة عاجلة إلى مشرّعين أميركيين، وتحدث فيها عن قيود مفاجئة تطال أجهزة الاتصال الفضائي العسكرية التي تستخدمها قوات بلاده، والسبب غير معروف.
لم يكن تحذيره يتعلق بصعوبة الوصول إلى الإنترنت فحسب. فبحسب ما نقلته «وول ستريت جورنال»، كان سينيك يخشى أن تمنح هذه القيود روسيا أفضلية ميدانية، وأن تجعل اعتراض الهجمات التي تستهدف المدنيين الأوكرانيين أكثر صعوبة.
وبعد أيام من الاتصالات والتصريحات المتعارضة، تحسّن أداء الخدمة، لكن السؤال لم يُغلق: هل عادت «ستارشيلد» إلى العمل بكامل قدراتها؟ ومن أصدر التوجيه الذي قيّد استخدامها أصلاً؟
تتقاطع في هذه القضية حاجة أوكرانيا إلى الاتصالات الفضائية، وسلطة الجهات الأميركية على الخدمة العسكرية، والخلاف السياسي المتصاعد بين الرئيسين دونالد ترامب وفولوديمير زيلينسكي. وبين هذه العناصر، ظهرت هشاشة بعض القدرات العسكرية عندما يعتمد تشغيلها على اتصال يتحكم فيه طرف خارجي.
ماذا تعطّل فعلياً؟
بدأت الأزمة، وفق الروايات الأوكرانية، خلال ليل 14 أكتوبر/تشرين الأول، عندما تأثر اتصال أجهزة استقبال عسكرية محمولة على أجسام تتحرك بسرعات مرتفعة.
ونقلت رويترز عن مصدر في وزارة الدفاع الأوكرانية أن الأجهزة أصبحت تعمل أثناء الحركة، ولكن حتى سرعة تبلغ نحو 100 ميل في الساعة، أي قرابة 160 كيلومتراً في الساعة.
وهذا الحد يتعلق بسرعة حركة المسيّرة أو المركبة التي تحمل جهاز الاتصال، وليس بسرعة تنزيل البيانات. فإذا تجاوزت المنظومة الحد المسموح به، قد تفقد الاتصال الذي تحتاج إليه لتنفيذ مهمتها. وأشار تحليل «ذي أتلانتيك» إلى تسجيل انقطاعات عند سرعات أدنى أيضاً في بعض الحالات.
وقال سيرهي بيسكريستنوف، خبير التكنولوجيا العسكرية ومستشار زيلينسكي، لمجلة «تايم»، إن القيود فُرضت على الحزمة العسكرية من خدمات «ستارشيلد» من دون تحذير مسبق للقوات الأوكرانية، وأدت إلى فشل عدة مهام.
أما زيلينسكي، فقال لاحقاً إن «ستارلينك» لم تُقطع بالكامل عن أوكرانيا، بل تراجع أداؤها بما أثّر في العمليات العسكرية. وبذلك، فإن الحديث يدور عن قيود أصابت استخدامات محددة، وليس عن توقف شامل لكل خدمات الشبكة في البلاد.
لماذا يؤثر الاتصال في المعركة؟
تستخدم أوكرانيا الاتصالات الفضائية لربط بعض المسيّرات بمشغّليها على الأرض، ونقل المعلومات اللازمة لتوجيهها ومتابعة مهامها.
وبحسب مسؤولين أوكرانيين نقلت عنهم رويترز، أعاقت القيود عمليات تستهدف القوات الروسية وخطوط إمدادها في الأراضي الأوكرانية المحتلة، وأثرت كذلك في المسيّرات الاعتراضية المستخدمة للتصدي للمسيّرات الروسية، ومنها طائرات «شاهد».
وأوضح مارك هيلبورن، المحاضر الأول في الدراسات الدفاعية بكلية كينغز كوليدج لندن، لـ«تايم»، أن انقطاع الاتصال بعد تجاوز سرعة محددة قد يحرم المشغّلين من المعلومات اللازمة لتوجيه المهمة.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية خاصة بالنسبة إلى المسيّرات الاعتراضية الصغيرة والسريعة ومنخفضة التكلفة، التي يصفها تحليل «ذي أتلانتيك» بأنها أداة مهمة لمواجهة الهجمات الروسية. فمهمتها تتطلب الوصول إلى الهدف في الوقت المناسب، بينما قد يحدّ قيد السرعة من قدرتها على ذلك.
وقال زيلينسكي إن التأثير امتد أيضاً إلى الإمداد الميداني، بما في ذلك المسيّرات التي تنقل الغذاء والماء إلى الجنود.
ومع استمرار الهجمات الروسية على منشآت الطاقة الأوكرانية، يصبح أي تراجع في أدوات الاعتراض مصدر قلق إضافياً. لكن هذه الآثار لا تعني توقف الدفاع الجوي الأوكراني كله؛ إذ تتعلق التقارير بالمنظومات والمهام التي تعتمد على الاتصال المتأثر.

«ستارلينك» و«ستارشيلد».. شبكة مترابطة واستخدامات مختلفة
تدير شركة «سبيس إكس» شبكة «ستارلينك» التجارية، التي توفر الإنترنت عبر أقمار اصطناعية في مدار أرضي منخفض. ويساعد قرب هذه الأقمار النسبي من الأرض على نقل كميات كبيرة من البيانات مع زمن تأخر قصير للإشارة.
أما «ستارشيلد»، فطُوّرت لخدمة العملاء الحكوميين والأمنيين، وخصوصاً وزارة الدفاع الأميركية، مستفيدة من تكنولوجيا «ستارلينك» وقدرات «سبيس إكس» على إطلاق الأقمار.
وبحسب وصف الشركة الذي أوردته «تايم»، يركز البرنامج على ثلاثة مجالات أولية: الاتصالات، ورصد الأرض، واستضافة حمولات، أي حمل أجهزة ومعدات إضافية لصالح الجهات المستفيدة.
وشبّه تود هاريسون، الباحث الأول في معهد أميركان إنتربرايز، العلاقة بين الخدمتين بعلامتين مختلفتين لخدمات الهاتف المحمول تستخدمان أبراج الاتصال نفسها.
وقال خبراء للمجلة إن «ستارشيلد» توفر قدرات إضافية للاستخدام العسكري، منها تشفير أكثر تقدماً وقدرات مرتبطة بالتصوير والاستشعار. وأشار هيلبورن إلى إمكانات للرصد الراداري للأرض، إلى جانب القيمة الأساسية للاتصال في تكوين صورة آنية لساحة المعركة.
وأوردت «تايم» أن شبكة «ستارلينك» تضم أكثر من عشرة آلاف قمر، بينما يظل العدد الدقيق للأقمار المرتبطة بـ«ستارشيلد» غير معلن، مع إحاطة تفاصيل بعض التعاقدات بمتطلبات السرية والأمن القومي.
ولا يعني الحديث عن قدرات البرنامج أن جميع هذه الخدمات متاحة لأوكرانيا؛ فالاستخدامات التي تركز عليها التقارير تتعلق أساساً بالاتصالات العسكرية وتشغيل المسيّرات.

من أصدر التوجيه؟
مع ظهور المشكلة، اشتبه مسؤولون أوكرانيون في أن ترامب ربما طلب من الملياردير الأميركي إيلون ماسك تقييد الخدمة، بحسب «وول ستريت جورنال». لكن ذلك ورد بوصفه اشتباهاً لدى هؤلاء المسؤولين، وليس نتيجة مثبتة.
وفي تقرير منفصل، نقلت رويترز عن مسؤولين أميركيين ومسؤول غربي مطلع أن التوجيه جاء من داخل البيت الأبيض، وأن قيادات في وزارة الدفاع تلقت رسالة بضرورة تقييد خدمة «ستارشيلد» المقدمة للجيش الأوكراني.
ولم تحدد المصادر صاحب القرار داخل البيت الأبيض، أو المسؤول عن تنفيذه. وقال مسؤول أوكراني كبير للوكالة إن كييف أجرت اتصالات مع البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، وأُبلغت بأن القرار صادر عن البيت الأبيض.
في المقابل، قال مسؤول أميركي كبير لرويترز و«تايم» إن الرئيس ترامب لم يقدم طلباً من هذا النوع. ونفى ترامب لاحقاً مسؤوليته، وقال إنه لا يعتقد أن ماسك كان وراء الخطوة، بحسب تقرير نقل تصريحاته عن «سي إن بي سي».
أما ماسك، فشدد على التمييز بين الخدمتين، وقال إن أنظمة «ستارشيلد» مملوكة للحكومة الأميركية وخاضعة لسيطرتها، وإن القيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأميركي، وفي نهاية المطاف الرئيس ترامب.
وأضاف أن «ستارلينك» خدمة تجارية تملكها شركته وتتحكم فيها، وأن استخدامها يقتصر على الأنشطة المدنية أو الدفاعية ولا يشمل الأعمال العسكرية الهجومية، وفق وصفه لقواعد الخدمة.
ولم تقدم «سبيس إكس» أو وزارة الدفاع الأميركية تعليقاً لرويترز على أسئلتها بشأن الواقعة، فيما ظل تحديد المسؤول المباشر عنها دون حسم في التقارير المعروضة.
خلاف المصافي والديزل في خلفية الأزمة
جاءت القيود وسط توتر بشأن استمرار أوكرانيا في ضرب مصافي النفط الروسية، رغم طلبات أميركية بوقفها.
وبحسب رويترز، اتخذ جاريد كوشنر والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف موقفاً حازماً خلال اجتماع في ميامي يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول، ضم ممثلين عن الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا والبنك الدولي، وأبلغا الجانب الأوكراني استياء واشنطن من استمرار الضربات.
وتزامن ذلك مع اتفاق لتوريد أكثر من 2.25 مليون برميل من الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية. وقال الوفد الأميركي، وفق الوكالة، إن واشنطن تأمل أن يساعد الاتفاق على تليين موقف موسكو في محادثات السلام.
لكن الاتفاق أثار انتقادات من مشرّعين أميركيين رأوا أنه يمنح روسيا إيرادات لمواصلة الحرب من دون إلزامها بتنازلات. ووصف زيلينسكي القرار الأميركي بأنه ضعيف، بينما دعا ترامب إلى إجراء انتخابات في أوكرانيا ورحيل زيلينسكي.
ووفق «تايم»، أعلن ترامب أيضاً وقفاً لإطلاق النار يتعلق بمنشآت الطاقة، لكن زيلينسكي اتهم موسكو بانتهاكه، واستأنفت كييف استهداف المصافي. ووصف ترامب الضربات الأوكرانية الجديدة بأنها مشينة.
وربط الرئيس الأميركي تلك الهجمات بارتفاع أسعار الطاقة، فيما نقلت رويترز عن خبراء أن الزيادة تعود أساساً إلى تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، والهجمات على منشآت الطاقة، وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.
كما أفادت الوكالة بأن مسؤولين أميركيين هددوا بوقف معلومات استخبارية عن إطلاق الصواريخ الروسية تستخدمها أوكرانيا للتصدي للهجمات، لكن ترامب قال إن تبادل المعلومات مستمر.
ما الذي بقي دون إجابة؟
رأى الخبير بيسكريستنوف أن القيود مرتبطة بالوضع السياسي، بينما قال زيلينسكي في مقابلة إنه يأمل أن تكون المشكلة خطأً تقنياً، قبل أن يصفها في مقابلة أخرى بأنها متعمدة.
لكن تزامن الخلاف السياسي مع القيود لا يثبت وحده أنها فُرضت لمعاقبة كييف أو إجبارها على تغيير عملياتها، في ظل غياب تفسير رسمي تفصيلي ومتفق عليه.
وحتى مع تحسن الخدمة، بقيت كييف تنتظر تأكيداً باستعادة كامل أدائها. أما ما كشفته الأزمة، فهو أن بعض القدرات الأوكرانية تعتمد على أكثر من امتلاك المسيّرات وتدريب مشغّليها: إنها تحتاج أيضاً إلى استمرار اتصال قد تتحدد شروطه بعيداً عن ساحة المعركة.
المصادر: رويترز- تايم- وول ستريت جورنال-ذي أتلانتيك- وكالة يو إن إن الأوكرانية- سي إن بي سي