وسط عودة الأعمال القتالية وتجدد المواجهات مع السعودية، تمتلك جماعة الحوثي (أنصار الله) ترسانة متنوعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، تتيح لها تنفيذ هجمات خارج اليمن.
وتستعرض تقارير بحثية وصحفية كيف تشكلت هذه القدرات من أسلحة استولت عليها الجماعة، ودعم إيراني، ومكونات مستوردة، وتصنيع وتجميع محليين متفاوتَي التعقيد.
ويشير نيرانجان بي إس، محلل الأسلحة الاستراتيجية لدى مؤسسة «جينز» المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة، إلى أن جزءاً من مخزون الجماعة الصاروخي مصدره ترسانات استولت عليها عند سيطرتها على صنعاء عام 2014، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، نشرته عدة مواقع إخبارية اليوم الجمعة.
وأضاف أن مصادر أخرى تشمل «منظومات كاملة جرى تهريبها، أو منظومات صُنعت محلياً باستخدام مكونات هُرّبت إلى اليمن، أساساً عبر بحر العرب».
1. تشكيلة الترسانة: الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز
تتفاوت قدرات الحوثيين على تصنيع الصواريخ محلياً بحسب تعقيد المنظومة ومداها، وتتوزع إلى عدة فئات رئيسية وفقاً لتقييم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، (IISS) ( منشور في 10 أبريل/ نيسان 2025) عام 2025)، ومؤسسة «جينز».
- الصواريخ الباليستية ذات المدى القريب جداً (50 – 300 كم): يُرجّح أن بعض هذه الصواريخ يُنتج محلياً، مع استمرار الاعتماد على مكونات أساسية مستوردة. تشمل صواريخ مدفعية وبصورة خاصة صواريخ باليستية مضادة للسفن مثل «فالق»، «ميون»، «البحر الأحمر»، وصاروخ «محيط» (المُعدّل عن منظومة “إس-75” السوفياتية بتكنولوجيا توجيه إيرانية).
- الصواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى: تشمل صواريخ تعمل بالوقود الصلب مثل «فلسطين 1» و«فلسطين 2» (المشتقة من «خيبر شكن» أو «فتاح» الإيرانيين)، وصواريخ باليستية متوسطة المدى تعمل بالوقود السائل مثل «ذو الفقار» (المطابق لصاروخ «رضوان» الإيراني). ويرجّح المعهد أن إيران تزوّد الحوثيين بهذه المنظومات مباشرة، نظراً إلى تعقيدها الذي يتجاوز، بحسب تقييمه، قدرات الإنتاج المحلي في اليمن.
- صواريخ كروز الهجومية والمضادة للسفن: يرجّح تقييم المعهد أن هذه المنظومات تأتي مباشرة من إيران، وتضم عائلة صواريخ «قدس» (المعروفة إيرانياً بـ “باوه”) والتي يصل مدى نسختها الرابعة إلى نحو ألفي كيلومتر.
- لا يستبعد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تصنيع بعض أجزاء هياكل صواريخ «قدس» محلياً، لكنه يشير إلى أن شحنات مضبوطة من صواريخ كروز المضادة للسفن تضمنت منظومات كاملة مفككة، يقتصر العمل داخل اليمن على تجميعها النهائي.
2. الطائرات المسيّرة: بين التصنيع المحلي والدعم الإيراني
تظهر قدرات الحوثيين المستقلة بشكل أكثر وضوحاً في مجال الطائرات المسيّرة:
- المسيّرات البسيطة (أحادية الاتجاه): مثل «صماد-3» (أو “كاس-04”) المستخدمة لضرب أهداف بعيدة (بما في ذلك إسرائيل) وبحرية. تشير الأدلة التي يستعرضها المعهد بقوة إلى تصنيعها داخل اليمن، معتمدة في بعض مكوناتها الأساسية والدفع على السوق التجارية المفتوحة (مثل محركات “دي إل إي-170” الصينية)، إلى جانب بعض المكونات الإيرانية.
- المسيّرات المتقدمة: مثل «وعيد-1» و«وعيد-2»، ( نسختان محليتان من «شاهد-131» و«شاهد-136»)، وتحتوي على نسبة أعلى من المكونات والمنظومات الإيرانية المعقدة التي يصعب الحصول عليها تجارياً.
حدود القدرة: رغم تطور بعض قدرات التصنيع والتجميع، يشير تقييم المعهد إلى استمرار اعتماد الحوثيين على الخارج في تقنيات أساسية ومنظومات معقدة. ولا توفر المصادر المعروضة أرقاماً موثوقة عن حجم مخزونهم أو معدل إنتاج الأسلحة وتعويض خسائرها.

3. شبكات التوريد: مكونات صينية وطموحات للتصنيع المحلي
كشف تقرير حديث لمؤسسة «أبحاث تسلّح النزاعات» البريطانية، استناداً إلى اعتراض السلطات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، لشحنات قادمة من الصين كانت متجهة إلى ميناء الحديدة، عن مساعٍ حوثية لتطوير ترسانتهم بمكونات صينية، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس.
- مكونات دقيقة: شملت المضبوطات أجزاء لزعانف تثبيت الصواريخ، ومكونات محركات وأنظمة إشعال، وراتنج فينولي لصناعة دروع حرارية للصواريخ أثناء التحليق بسرعات عالية.
- طموح تصنيعي: تشير هذه التحركات، بحسب الباحث فابيان هينز، إلى محاولة تصنيع نسخة محلية من الصاروخ الإيراني الموجه «خيبر شكن»، مما يعكس توجهاً لتنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد المطلق على مسار إمداد إيراني منفرد.
- الموقف الصيني: أكد ليو تشانغ، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، التزام بلاده بالرقابة الصارمة على صادرات المنتجات العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج، مشددا على أن الصين تتبنى دائماً نهجاً حذراً ومسؤولاً في تصدير المنتجات العسكرية.
ولم يتناول المتحدث النتائج المحددة للتقرير. ولا يثبت منشأ المكونات وحده موافقة الحكومة الصينية على توريدها للحوثيين.
4. البنية التحتية
- مواقع التخزين والإطلاق: أشار المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، إلى لجوء الحوثيين لتخزين الأسلحة في مناطق جبلية (بصنعاء وصعدة وعمران) واستخدام مداخل الأنفاق والتجاويف الطبيعية لتأمين منصات الإطلاق.
وأكد المالكي أن الهجمات الحوثية التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي أسفرت عن 17 وفاة و333 إصابة (19 وفاة و364 إصابة في إجمالي استهدافات المطارات).
وقالت الباحثة أبريل لونغلي آلي لوكالة الصحافة الفرنسية إن الحوثيين قدّموا حملتهم بوصفها «حصاراً مقابل حصار، ومطاراً مقابل مطار، وتصعيداً مقابل تصعيد».
-
5. تحديات أمام الدفاعات السعودية
تشير مجلة «تايم»، في تقرير نُشر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن السعودية تواجه صعوبة في منع جميع الهجمات، رغم كونها أكبر مشترٍ للأسلحة الأميركية في العالم، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
ويرى خبراء أن اتساع مساحة المملكة وطول حدودها مع اليمن، التي تتجاوز 800 ميل، أي نحو 1300 كيلومتر، يزيدان صعوبة الدفاع عنها. ونقل التقرير عن المحلل السعودي علي الشهابي قوله إن توقّع اعتراض كل صاروخ يستهدف بلداً بحجم السعودية أمر غير واقعي، وإن أي منظومة دفاعية لا تضمن حماية كاملة.
6. من هم الحوثيون؟
الحوثيون، المعروفون أيضاً باسم «أنصار الله»، جماعة سياسية ومسلحة ظهرت في اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، ونشأت في سياق حركة لإحياء المذهب الزيدي، أحد فروع الإسلام الشيعي.
وبحسب مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تطورت الحركة بدرجة كبيرة من «منتدى الشباب المؤمن»، وعُرفت باسم الحوثيين نسبة إلى مؤسسها حسين الحوثي، الذي قُتل على أيدي القوات اليمنية عام 2004. ويتولى قيادتها حالياً شقيقه عبد الملك الحوثي.
وسيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014، ويخوضون صراعاً مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي يدعمها تحالف تقوده السعودية. ويسيطرون، وفق التقرير، على معظم مناطق غرب البلاد، بما فيها العاصمة.
7. علاقة وثيقة بإيران مع هامش من الاستقلال
يقول الباحث اليمني في معهد «تشاتام هاوس»، فارع المسلمي، إن صلات الحوثيين بإيران تعود إلى التسعينيات، وإن طهران كثّفت منذ عام 2009 تقديم الأسلحة والتدريب والتمويل للجماعة.
ويُنظر إلى الحوثيين عادة بوصفهم جزءاً من شبكة حلفاء إيران المعروفة باسم «محور المقاومة». لكن خبراء تحدثوا للمجلة يحذّرون من اختزال العلاقة في تبعية مباشرة.
ويقول أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، فواز جرجس، إن الحوثيين من أكثر حلفاء إيران الإقليميين استقلالية، ولديهم مصالحهم الخاصة، رغم تقاطعها مع المصالح الإيرانية إقليمياً ودولياً.
ويرى المسلمي أن أهمية الجماعة بالنسبة لطهران ازدادت بعد سقوط نظام الأسد وإضعاف حزب الله، خصوصاً بسبب قدرتها على تعطيل التجارة في البحر الأحمر.
8. ماذا يريد الحوثيون؟
بحسب الخبراء الذين استطلعت المجلة آراءهم، تجمع أهداف الجماعة بين الطموح إلى التحول إلى قوة إقليمية، وتعزيز حكمها داخل اليمن.
وفي المواجهة الحالية، يسعى الحوثيون إلى إنهاء ما يصفونه بالحصار السعودي للموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرتهم، وفتحها أمام التجارة وتدفق السلع والإيرادات.
ويقول جرجس إن الجماعة تريد ترسيخ سلطتها وانتزاع الاعتراف بها حكومة شرعية في صنعاء، بدلاً من التعامل معها بوصفها جهة مسلحة غير حكومية.
9. كيف تجدد القتال؟
بحسب التقرير، أسهمت الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022 في تهدئة القتال لأكثر من أربع سنوات، قبل انهيارها في يوليو/تموز.
وقال الحوثيون إن السعودية قصفت مطار صنعاء مستهدفة وفداً تابعاً لهم كان عائداً من إيران، ثم أطلقوا صواريخ باليستية باتجاه المملكة، في خطوة وصفوها بأنها رد على القصف.
وتوسعت الهجمات لاحقاً لتشمل مصافي ومنشآت نفطية تابعة لأرامكو، ثم تصاعد استهداف المطارات السعودية خلال سبتمبر/أيلول.
كما ربط التقرير التصعيد بالصراع على مضيق باب المندب والجزر المحيطة به، في ظل مخاوف من تأثير القتال في الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
10. لماذا يستهدفون المطارات؟
يرى محللون أن الهدف الأساسي هو ممارسة ضغط اقتصادي وسياسي وأمني على السعودية لدفعها نحو تسوية بشروط أكثر قبولاً للحوثيين.
ويقول المحلل اليمني محمود شهرة إن الجماعة تسعى إلى الضغط على الاقتصاد السعودي والبنية التحتية للمطارات والأمن، لدفع الرياض إلى تسوية سياسية.
ويضيف المسلمي أن اضطراب الطيران يفرض كلفة مالية ويمس صورة السعودية بوصفها وجهة آمنة، وهي صورة تسعى قيادة المملكة إلى تعزيزها.
أما جرجس، فيرى أن الحوثيين يحاولون إجبار الرياض على قبول شروط تتعلق برفع القيود المفروضة على اليمن والاعتراف بشرعيتهم، لكنه يشكك في استعداد القيادة السعودية للاستجابة لهذه المطالب تحت الضغط العسكري.
المصادر/ وكالة الصحافة الفرنسية-أسوشيتدبرس- مجلة تايم- المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية