دخل الصراع في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع تجدد المواجهات بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية، وعودة الرياض إلى شن غارات جوية واسعة. وفي المقابل، نقلت الهجمات الحوثية على المطارات والمنشآت النفطية السعودية آثار الحرب إلى داخل المملكة، وأثارت تساؤلات بشأن قدرتها على حماية البنية التحتية ومشروعات الاستثمار والسياحة.
وتواجه السعودية جماعة ازدادت قدراتها العسكرية، بينما يعاني المعسكر المناهض لها انقسامات سياسية وميدانية. ولذلك، لا يبدو تحقيق مكاسب عسكرية مرادفاً بالضرورة للوصول إلى تسوية مستقرة.
لماذا عادت المواجهة؟
تربط التقارير الإعلامية التصعيد الأخير بضربة استهدفت مطار صنعاء في يوليو/تموز 2026، أثناء محاولة طائرة إيرانية تحمل وفداً حوثياً الهبوط فيه. وتحمّلت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مسؤولية الضربة، وقالت إنها استهدفت منع هبوط طائرة غير مصرح لها، بينما اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراءها.
وبعد ذلك، أعلن الحوثيون استهداف الملاحة السعودية في البحر الأحمر، في إطار ما وصفوه بسياسة «الحصار مقابل الحصار»، ووسعوا هجماتهم على منشآت الطاقة وأهداف داخل المملكة.
وفي قراءة تحليلية لها في موقع ريسبونسبل ستيت كرافت، تفسر الباحثة في برنامج الشرق الأوسط بمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول أنيل شيلين عودة الرياض إلى الخيار العسكري بأنها تعكس، على الأرجح، اعتقاداً سعودياً بأن التهدئة والتفاوض لم يحدّا من طموحات الحوثيين.
وزادت أهمية البحر الأحمر للسعودية، بسبب اضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز خلال الحرب مع إيران. وبذلك، أصبح تهديد الملاحة على الساحل اليمني مرتبطاً مباشرة بمصالح المملكة النفطية والاقتصادية.
حرب يمنية تتداخل مع الصراع الإقليمي
تشدد شيلين على أن حرب اليمن لها جذور محلية تسبق المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران: سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، ثم التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية في 2015.
وترى أن العلاقة بين الحوثيين وطهران لا تلغي أهداف الجماعة الخاصة، وفي مقدمتها توسيع السيطرة داخل اليمن. ولهذا، فإن إنهاء الحرب مع إيران لا يعني تلقائياً حل النزاع اليمني، وإن كان قد يساعد في تخفيف التصعيد.
في المقابل، تنقل «نيويورك تايمز» عن الباحث غريغوري غوس رأياً مفاده أن اتفاقاً أميركياً إيرانياً يتضمن وقف هجمات الحوثيين قد يمثل المخرج الأكثر واقعية للسعودية. ويظل ذلك تصوراً تفاوضياً؛ فالنصوص لا تثبت قدرة طهران على ضمان التزام الحوثيين بأي اتفاق.
إيران تدخل على الخط
سياسيا أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مباحثات هاتفية مع نظيره الإيراني عباس عراقجي الأحد، في إطار مساعي البلدين للتعامل مع التصعيد الأخير في التوترات الإقليمية.
وخلال الاتصال، أعرب عراقجي عن استعداد إيران للمساعدة في تيسير الحوار بين السعودية والحوثيين، وفقاً لرواية وزير الخارجية الإيراني.
وشدد على أهمية السعي إلى حلول سياسية، محذراً من أن استمرار الاعتماد على الإجراءات العسكرية قد يزيد تعقيد التحديات الأمنية في المنطقة.
لكن البيان السعودي لم يذكر عرض الوساطة، ولم يوضح ما إذا كانت الرياض قد قبلته.
ويعكس التواصل الأخير أهمية الإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسي بين الرياض وطهران، رغم استمرار خلافاتهما بشأن الأمن الإقليمي.
واستعادت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية عام 2023، عقب اتفاق بوساطة صينية فتح قنوات للحوار بعد سنوات من العلاقات المتوترة.
غير أن تجدد المواجهة في اليمن، والصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، زادا الضغوط على الاستقرار الإقليمي.
وقد يتيح عرض طهران تسهيل المحادثات مع الحوثيين مساراً إضافياً للتواصل الدبلوماسي، لكن لم يُعلن عن إطلاق عملية وساطة رسمية.
وبالنسبة إلى السعودية، تظل الأولوية العاجلة حماية أراضيها وسكانها المدنيين، مع التعامل مع تداعيات النزاع اليمني.
أما انتقال هذا الاتصال إلى مفاوضات إضافية، فسيتوقف على استعداد الأطراف للسعي إلى خفض التصعيد بالتوازي مع العمليات العسكرية الجارية.
لماذا يصعب حسم المواجهة عسكرياً؟
تصف «نيويورك تايمز» الصراع بأنه مواجهة غير متكافئة: السعودية تمتلك موارد وتسليحاً أكبر، لكن الحوثيين يستطيعون إحداث أضرار مؤثرة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف حساسة.
وفي أحدث التطورات اللافتة، قالت السلطات السعودية إن هجوماً على مبنى ركاب في مطار الرياض يوم السبت قتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وأصاب أكثر من 300، وأدى إلى تعليق العمليات في المطار.
وتتجاوز آثار هذه الهجمات الخسائر المباشرة. فاستهداف مطار أو منشأة طاقة قد يؤثر في ثقة المستثمرين وحركة السفر، بما يمس خطط تحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.
أما الحوثيون، فتشير التقارير إلى أنهم راكموا خبرة قتالية وطوروا قدراتهم خلال سنوات الحرب. وتورد شيلين أنهم باتوا أكثر قدرة على تصنيع الأسلحة محلياً، مع استمرار اعتمادهم على شبكات خارجية لتوفير مكونات ومواد. لكن هذا التطور لا يعني استقلالاً كاملاً في التسليح، ولا يجعل الجماعة بمنأى عن الخسائر.

من يقاتل الحوثيين؟ معسكر متعدد الأهداف
توضح وكالة «رويترز» أن القوى المناهضة للحوثيين ليست كتلة موحدة:
| الجهة | موقعها ودورها بحسب رويترز |
| مجلس القيادة الرئاسي | السلطة المعترف بها دولياً، برئاسة رشاد العليمي، ويعتمد بدرجة كبيرة على الدعم السعودي، لكنه يعاني انقسامات داخلية. |
| ألوية العمالقة | تشكيل عسكري يشارك بقوة في الهجوم المضاد، ويضم تيارات وفصائل متفاوتة الولاءات. |
| قوات درع الوطن | قوات مدعومة من السعودية، لها دور في الترتيبات الأمنية والعسكرية. |
| قوات المقاومة الوطنية | يقودها طارق صالح، وتقاتل الحوثيين وتتبنى مشروعاً ليمن موحد. |
| المجلس الانتقالي الجنوبي | قوة سياسية ذات امتدادات شعبية وعسكرية، تدعو إلى استقلال الجنوب وتحظى بدعم إماراتي تاريخياً. |
| حزب الإصلاح | طرف مؤثر داخل معسكر الحكومة، وله خصومة شديدة مع المجلس الانتقالي. |
وتشير رويترز أن هذه القوى قد تتفق على مواجهة الحوثيين، لكنها تختلف بشأن شكل الدولة ومستقبل الجنوب وتوزيع السلطة. وهو ما يضعف قدرتها على تحويل التقدم الميداني إلى سلطة مستقرة.
كما أن الروايات بشأن التطورات الأخيرة ليست متطابقة: أعلنت القوات الحكومية استعادة مناطق على الساحل وصولاً إلى المخا، بينما نفى الحوثيون تلك المكاسب. ولذلك ينبغي عرض السيطرة الميدانية باعتبارها موضع خلاف.
لماذا تبقى قضية الجنوب محورية؟
وفي هذا الشأن يركز الباحث والمحلل السياسي المقيم في واشنطن جورجيو كافييرو في مقال له في موقع ” جي آي إس ريبورتس” على أن إعلان حل المجلس الانتقالي في يناير/كانون الثاني 2026 لم ينهِ المطالب الجنوبية بالاستقلال. ويشير إلى أن قيادات أخرى في المجلس رفضت الإعلان، وأن استمرار التظاهرات المؤيدة له أظهر بقاء قاعدة شعبية تدعم مشروعه.
ومن هنا، يميز التحليل بين إضعاف التنظيم رسمياً وبين إنهاء القضية السياسية التي يستند إليها. فالجنوب كان دولة مستقلة قبل الوحدة عام 1990، ولا تزال قطاعات من سكانه تحمل مظالم مرتبطة بالتمثيل والسلطة والخدمات.
لكن المجلس الانتقالي لا يمثل جميع الجنوبيين، كما أن امتلاكه تأييداً شعبياً لا يضمن قدرته على بناء دولة قابلة للحياة. ويرى كافييرو أن نجاح مشروعه يتطلب استيعاب التنوع داخل الجنوب وإقامة علاقات عملية مع دول الجوار.
أما اتهامات المجلس للسعودية أو لحزب الإصلاح باستغلال جماعات متشددة أو تقويض المصالح الجنوبية، فترد في المقال باعتبارها مواقف واتهامات حزبية، وليست نتائج مستقلة مثبتة.

ما الخيارات المتاحة أمام السعودية؟
تعرض شيلين ثلاثة مسارات: مواصلة الضغط العسكري عبر الحكومة اليمنية، أو إعادة ترتيب العلاقة مع القوى الجنوبية، أو العودة إلى التفاوض مع الحوثيين.
لكل مسار قيوده. فالعمل العسكري قد يحسن موقع الرياض التفاوضي، لكنه لا يضمن الحسم. والتقارب مع الانفصاليين يصطدم بمخاوف السعودية بشأن حدودها ومستقبل اليمن. أما الاتفاق مع الحوثيين، فقد يخفف الهجمات على المملكة، لكنه لن يعالج وحده مصالح بقية الأطراف اليمنية.
وتتحدث «نيويورك تايمز» عن مساعدة أميركية للسعودية في الاستهداف والتزويد بالوقود، بينما تؤكد التحليلات الأخرى تردد واشنطن في استئناف حملة مباشرة واسعة. وتقديم الدعم العسكري لا يساوي بالضرورة الدخول في حرب جوية أميركية جديدة.
وتفضل شيلين مسار تفاوضي يقلل التدخل الخارجي، بينما يركز كافييرو على ضرورة معالجة قضية الجنوب. وتبرز «نيويورك تايمز» ضيق الخيارات السعودية.
الخلاصة
وتخلص شيلين وكافييرو إلى أن وقف الهجمات عبر الحدود خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي لصنع سلام دائم: فالتسوية تحتاج أيضاً إلى معالجة الانقسامات اليمنية، ومستقبل الجنوب، والتمثيل السياسي، والأمن والخدمات الأساسية.
- المصادر/ نيويورك تايمز- ريسبونسبل ستيت كرافت – رويترز- موقع جي آي إس ريبورتس المتخصص في التحليلات الجيوسياسية