عوينات العشار.. حكاية 70 عاماً من الحرفية العراقية
مي الربيعي – بغداد
قبل سبعة عقود، لم تكن ورشة صغيرة افتُتحت في البصرة مجرد مكان لبيع النظارات، بل كان بداية قصة عائلة توارثت المهنة جيلاً بعد جيل، وحولت حرفة يدوية دقيقة إلى مؤسسة عراقية تمتد فروعها اليوم بين البصرة وبغداد.
وبينما تغيرت المدن والأسواق، ظل اسم “عوينات العشار” حاضراً بوصفه أحد أقدم وأبرز الأسماء في هذا القطاع، جامعاً بين الحرفة التقليدية والتقنيات الحديثة في صناعة العدسات وتركيبها.
ولفهم أهمية هذه الرحلة، لا بد من العودة إلى بدايات صناعة النظارات نفسها. ففي عام 1286 شهدت إيطاليا تصنيع أول نظارة طبية بعد تطوير العدسات المحدبة، في خطوة شكلت نقطة تحول في تاريخ تصحيح الإبصار. ويُنسب اختراع وتطوير أول نظارة بالشكل الصحيح في إيطاليا إلى العالم الفيزيائي سالفينو دويلي أرماتي.
وبعد نحو خمسة قرون، وتحديداً عام 1784، أحدث اختراع العدسات ثنائية البؤرة (Bifocal) نقلة نوعية، إذ أصبحت النظارة الواحدة قادرة على تصحيح الرؤية للمسافات البعيدة والقريبة في الوقت نفسه، وهو ابتكار غيّر حياة ملايين الأشخاص حول العالم.

بداية الحكاية
لكن في العراق، بدأت الحكاية المحلية عام 1955، عندما أسس الراحل سامي المعيدي أول محل وورشة لصناعة النظارات في محافظة البصرة تحت اسم “عوينات سامي المعيدي”.
وفي عام 1959 حمل المشروع اسمه الذي سيصبح لاحقاً الأشهر في هذا المجال: “عوينات العشار”، قبل أن يتحول عام 1982 إلى علامة تجارية معروفة داخل العراق، وتبدأ المؤسسة مرحلة جديدة باستيراد العدسات والإطارات الطبية والشمسية بالجملة، لتتجاوز نشاطها المحلي وتفتح علاقات تجارية مع أسواق خارجية.
ويقول مدير ” عوينات العشار” في بغداد، أسامة سامي المعيدي، في حديث لـ”أوج 24″، إن المهنة انتقلت إليه وإلى إخوته عن والدهم، لكنهم لم يكتفوا بالحفاظ عليها، بل عملوا على تطويرها بما يواكب التقنيات الحديثة، حتى أصبحت المؤسسة تضم اليوم عدة فروع في بغداد وباقي المحافظات العراقية.
ويضيف أن ما يميز المؤسسة ليس حجمها فحسب، بل اعتمادها على خبرات تراكمت عبر عقود، جعلتها قادرة على تنفيذ أعمال يصفها كثيرون بأنها “مستحيلة”.
ويشرح المعيدي أن بعض النظارات الشمسية ذات الانحناءات العالية، ولا سيما بعض موديلات راي بان (Ray-Ban) الرياضية والمقوسة، تتطلب مهارة استثنائية عند تركيب العدسات الطبية داخلها، لأن أي خطأ، حتى لو لم يتجاوز مليمتراً واحداً، قد يؤدي إلى إتلاف الإطار أو التأثير في دقة الرؤية.
ويقول إن الفنيين في المؤسسة يقصون العدسات يدوياً بدقة كبيرة، مع الحفاظ على اللون الأصلي وتدرجه، وهي عملية يشبهها بعمل صائغ المجوهرات الذي يتعامل مع قطعة ثمينة لا تحتمل الخطأ.
وتعتمد المؤسسة على عدسات لينتي الإيطالية وزايس الألمانية، إلى جانب وحدة متكاملة لفحص البصر باستخدام أجهزة توبكون اليابانية، كما تضم معملاً ألمانيَّ المنشأ متخصصاً في تصنيع العدسات ثنائية ومتعددة البؤرة وفق القياسات الخاصة بكل مراجع.

ولا تقتصر قيمة المكان على الجانب المهني، بل تمتد إلى بعد تاريخي أيضاً، إذ يحتفظ بمجموعة من القطع النادرة غير المخصصة للبيع، من بينها نظارة يعود تاريخها إلى عام 1920، إلى جانب نماذج فاخرة من أشهر العلامات العالمية.

ومن أبرز هذه المقتنيات نظارة من علامة كارتييه الفرنسية، تُقدَّر قيمتها بنحو 3250 دولاراً، فضلاً عن قطع أخرى مرصعة بالأحجار الكريمة، تحولت إلى جزء من ذاكرة المؤسسة، وشاهد على تطور صناعة النظارات من أدوات طبية بسيطة إلى منتجات تجمع بين التكنولوجيا والفخامة.

المهارة اليدوية
وبينما دخلت الأجهزة الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى عالم البصريات، لا تزال بعض تفاصيل هذه المهنة تعتمد على مهارة اليد البشرية والخبرة المتراكمة. وبعد سبعين عاماً من انطلاقها، تقدم “عوينات العشار” نموذجاً لمؤسسة عراقية استطاعت الحفاظ على إرثها المهني، وفي الوقت نفسه مواكبة أحدث ما وصلت إليه تقنيات العناية بالبصر، لتبقى شاهداً على تاريخ صناعة بدأت من ورشة صغيرة في البصرة، وما زالت تواصل رحلتها حتى اليوم.
حول هذه القصة
بعض المكملات الغذائية قد تكون مفيدة عند وجود نقص أو حاجة طبية مؤكدة (جيمناي)
بعد الخمسين.. 4 مكملات غذائية قد تضر بصحة النساء
يونيو 23, 2026
مدريد ليست مدينة تُقرأ في الكتب فقط، بل مدينة يمكن تذوقها ( منصة إكس)
مدريد التي عشقها همنغواي.. في هذه الأزقة وُلدت أعظم الروايات
يونيو 24, 2026
الأغنية تدور حول الحنين إلى زمن مضى، عندما كانت الحياة تبدو أبسط والعلاقات الإنسانية أكثر دفئاً
“كانت أياماً أجمل”.. أغنية ألمانية تشعل مواقع التواصل
يونيو 10, 2026
صحيفة لوموند رأت أن وفاة برناديت شيراك تمثل نهاية حقبة في الحياة السياسية الفرنسية
