محمد التركي | كلية الآداب – 1983- مكان/ الحلقة الثالثة
كان ذلك عام 1983. كنت يومها في المرحلة الثالثة في كلية الآداب بالجامعة المستنصرية.
حين نفرغ من المحاضرات، نهبط إلى الطابق الأرضي ونلوذ بـ”مصاطب السنتر”. نجلس قليلًا لنستريح من عناء الدرس، لكن عيوننا كانت تبدأ هناك درسًا آخر؛ درسًا لا يكتبه أستاذ على السبورة، ولا تتسع له قاعة المحاضرات.
كانت العيون تترقب وتتزيّن قبل الفراق.
وحين نهمّ بالخروج من الكلية، تبدأ نظرات الوداع. تتسلّل خفية، تلتقي للحظة ثم تفترق، قبل أن تعود فتبحث عن بعضها من جديد.
نظرات قصيرة في زمنها، طويلة في معناها، تحمل من الكلام ما تضيق عنه الكلمات، ومن الشوق ما تعجز عنه الشفاه. وكان في كل نظرة وعد صغير بلقاء جديد، وخوف خفي من أن يأتي الفراق.
أما أنا، فكنت أرقب ملهمتي من بعيد، في غدوّها ورواحها، بتحسّر ولهفة تشبه لهفة العميان إلى النور.
كنت أتعلّق بكل التفاتة، وأختزن كل لحظة من حضورها، ولا تشبع عيناي منها. كأنني كنت أخشى، من دون أن أدري، أن تنتهي تلك الأيام سريعًا، وأن يأتي زمن لا يبقى لي منها سوى طيف أستحضره من أعماق ذاكرة أنهكها الحنين.
الأستاذ الذي اكتشف القصيدة
في ذلك العام، كان يدرّسنا الأدب المقارن الشاعر والأكاديمي المصري الدكتور كمال نشأت.
كان رجلًا يكسو العلمَ مهابة، ويزيّن حديثه وقارُ الأستاذ. كلما تكلم شعرت أن للكلمة بين يديه وزنًا، وأن للعلم هيبة لا يكتسبها إلا من عاشه وأخلص له.
وكان من عادته أن يترك الدقائق الأخيرة من المحاضرة للحوار. ينزل فيها من منصة الأستاذ إلى رحابة الإنسان، فتقصر المسافة بينه وبين طلبته، وتتحول الدقائق الأخيرة إلى مجلس حيّ تتنفس فيه الأفكار، وتخرج الأسئلة من أفواهنا بلا رهبة.
وذات يوم، بلغته «وشاية» لطيفة بأنني أكتب الشعر.
استدعاني إلى المنصة، بعدما ألحّ بعض الزملاء عليه أن أقرأ شيئًا مما أكتب.
كانت القصيدة، في تلك السنوات، أكثر من أبيات نرددها. كانت أحيانًا فسحة صغيرة نهرب إليها من ثقل الواقع. بعضنا كان يتعمد إطالة الحوار واقتناص دقائق إضافية من المحاضرة، ربما هربًا من التفكير في المصير العسكري الذي كان ينتظر كثيرين منا بعد التخرج، والحرب التي كانت تلقي بظلها الثقيل على حياتنا.
وقفت أمام الدكتور كمال مترددًا.
بين هيبة الأستاذ، وخجل شاب يخفي قصيدته كما يخفي سرّه، وبين رغبة قديمة في أن أقول شيئًا عن تلك التي أحببتها بصمت القروي الذي جاء إلى بغداد، لكنه لم يملك بعدُ شجاعة الاعتراف.
ثم غلبني تشجيع الزملاء، وربما إغراء الدرجة أيضًا.
مددت يدي إلى جيبي وأخرجت الورقة، كما يستلّ القروي المتبغدد أولى خطواته في مدينة واسعة؛ يحمل الدهشة في عينيه، ويحاول أن يبدو واثقًا بينما يرتجف من الداخل.
وبدأت أقرأ:
عوّدتُ عيني أن تراكِ وتنظرا
وعلى رؤاكِ بليلتي أن أسهرا
فأحيدُ عن بعض النّساءِ وأستحي
وحسبتُ قلبي يابساً مُتحجِّرا
فعشقتُ عيناً ما رأيتُ كمثلها
أبداً، فيجعلني الهوى أن أسهرا
لمّا رأيتُ من العيون وسحرها
قد متُّ من فرط الهوى متحسِّرا
بي لهفةُ العميانِ أولَ ما رأى
هذا الجمالَ وفي عيونكِ مُبصِرا
لي في العيون السود رحلةُ مُبحرٍ
يشكو الغريقُ من الشراع تكسّرا
وعزاءُ روحي في بلائي إنني
في حبّها ألّا أبوح وأشهرا
وعزاءُ روحي أن أموت بلوعتي
لمّا أراكِ، نكرتُ عندي مقبرا
صعبٌ تراني أن أموت بلوعتي
إذ متعباً جسمي ووجهي أصفرا
مولاي يا قدري فأنت أسرتني
تأبى قيودك أن تلين وتكسّرا
فأحبُّ في قول العواذل وصفها
وتحبُّ أذني في وصفها متكرّرا
توقفت قليلًا، ورفعت عيني عن الورقة.
كان الدكتور كمال ينظر إليّ نظرة لم أفهمها في تلك اللحظة. كان فيها شيء من الدهشة، وشيء من الرضا، وربما شيء من فضول الأستاذ الذي يريد أن يعرف ما الذي يخفيه هذا الطالب خلف أوراقه.
ثم قال بهدوء:
كان السؤال وحده كافيًا لأستعيد شيئًا من ثقتي.
عدت إلى الورقة، وبدأت أنشد:
فيا حبيبي الذي ما زلت أذكرهُ
صبحاً وليلاً، فيملأ العين أطيافا
أصبحتُ لا أشتهي إلا بوجهك لي
بالرغم، حولي كثيرُ الناس أصنافا
فما تكفّى الذي بالصدر أحملهُ
حتّى تجاوزني رأساً وأطرافا
أمشي الفيافي وظهري ما انحنى تعباً
لمّا أتيتك يأتي التعب أضعافا
وكم حلمتُ بماءٍ يرتوي عطشي
يحيلُ في أرضي الجرداء أريافا
وكم حلمت بحكم الحاكمين فما
وجدت في حكمهم عدلا وإنصافا
لكنْ بيْ كبرياءٌ ليس يجبرهُ
حكم الطواغيت مهما كان سيَّافا
وحين انتهيت، انطلقت أكف الطلبة بالتصفيق.
بدت لي القاعة في تلك اللحظة أكبر من قاعة محاضرات. كأن القصيدة فتحت في أحد جدرانها نافذة صغيرة، دخل منها شيء من الضوء، وشيء من الحب، وشيء من الترويح عن شباب كان يعيش أيامًا ثقيلة.
لم أكن أعرف آنذاك أن تلك الدقائق القليلة ستظل عالقة في ذاكرتي كل هذه السنين.
لم أكن أعرف أنني سأعود، بعد أكثر من أربعة عقود، فأرى المصاطب من جديد، وأسمع صوت الدكتور كمال، وتصفيق الزملاء، وألمح في آخر الممر تلك النظرة التي كُتبت من أجلها القصيدة ولم تعرف، ربما، أنها كانت بطلتها.
فالذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها.
أحيانًا تحتفظ بمصطبة في «سنتر» كلية، وورقة مطوية في جيب طالب، ونظرة عابرة بين شاب وفتاة، وسؤال بسيط من أستاذ:
«هل عندك غيرها؟»
وربما كانت بعض الذكريات لا تكبر معنا أصلًا، بل تبقى في العمر نفسه الذي وُلدت فيه.
نحن الذين نكبر.
أاما هي، فتبقى هناك؛ في عام 1983، بوجهها الأول، وقلقها الأول، وخجلها الأول، وبقلب شاب كان يظن أن نظرة واحدة يمكن أن تقول ما تعجز عنه قصيدة كاملة.
