أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
جولة الصحافة

أميركا غادرت العراق.. لكن هل تعلمت دروس الحرب؟

أميركا غادرت العراق.. لكن هل تعلمت دروس الحرب؟
الكاتب يصف غزو العراق بأنه "خطأ كارثي" ( حساب الجيش الأميركي عن منصة إكس)

بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي للعراق، يرى الكاتب الأميركي ماكس بوت أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة أن واشنطن استوعبت الدروس التي تركتها تلك الحرب، وفي مقدمتها محدودية قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل دول ومجتمعات معقدة وفق تصورات سياسية مسبقة.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة واشنطن بوست بعنوان «لقد غادرنا العراق.. لكننا لم نتعلم دروسه»، يعود بوت إلى تجربته الشخصية في العراق منذ الغزو عام 2003 وحتى السنوات اللاحقة، مقدماً مراجعة نقدية لموقفه السابق المؤيد للحرب.

من مؤيد للحرب إلى مراجعة قاسية

يبدأ بوت باعتراف واضح: كان من مؤيدي غزو العراق عام 2003، لأنه كان مقتنعاً آنذاك بأن إسقاط نظام صدام حسين يمكن أن يفتح الطريق أمام مزيد من الديمقراطية في الشرق الأوسط.

لكنه يقول إن التجربة العراقية جعلته يعيد النظر في الكثير من تلك القناعات، حتى أصبح أقل يقيناً تجاه قدرة الولايات المتحدة على تغيير المجتمعات الأخرى بالقوة.

ويأتي مقاله بعد مغادرة آخر القوات الأميركية العراق، وعددها نحو 1500 عسكري، بحسب الأرقام التي يوردها، مقارنة بأكثر من 1.5 مليون أميركي خدموا في العراق خلال أكثر من 23 عاماً من الوجود العسكري بأشكاله المختلفة.

ولا يقدم بوت موقفاً حاسماً من الانسحاب الأخير، بل يقول إنه لا يزال غير متأكد مما إذا كان الإبقاء على قوة أميركية رمزية في العراق سيكون أفضل من الانسحاب الكامل.

صدمة الواقع بعد الغزو

يستعيد الكاتب أول زيارة له إلى العراق في أغسطس/آب 2003، عندما رافق وحدة من مشاة البحرية الأميركية في مهمة ميدانية تعرض خلالها رتلهم لعبوة ناسفة.

ويتذكر أن الجنود اعتقلوا شاباً عراقياً اشتبهوا في تورطه، لكنهم لم يستطيعوا التحدث معه بسبب عدم وجود مترجم.

بالنسبة إلى بوت، لم تكن تلك الواقعة مجرد حادثة صغيرة، بل كشفت مبكراً مشكلة أكبر: القوات الأميركية كانت تدير بلداً لا تفهم مجتمعه جيداً، ولم تكن تملك في بداية الاحتلال حتى الموارد البشرية واللغوية الكافية للتواصل مع سكانه.

ويقول إن تلك اللحظة كانت من أولى الإشارات بالنسبة إليه إلى أن الغزو لا يسير وفق الخطة التي تصورتها واشنطن.

كل زيارة كانت أكثر خطورة

بين عامي 2003 و2006، يقول بوت إنه شاهد الوضع الأمني يتدهور تدريجياً: مزيد من التفجيرات والفوضى والضحايا.

ويستخدم نوع المركبات العسكرية التي كان يستقلها لتوضيح هذا التحول. ففي البداية كان يتنقل بعربات «هامفي» غير مدرعة، ثم أصبحت تنقلاته لاحقاً داخل مركبات MRAP الثقيلة المصممة لمقاومة الألغام والعبوات الناسفة.

ويتذكر حادثة في الموصل انفجرت فيها عبوة ناسفة بعربة كانت أمام عربته، قبل أن يتعرض الرتل لإطلاق نار.

تفاؤل عسكري لا يطابق الواقع

من أكثر أجزاء المقال نقداً حديث بوت عن الفجوة بين التقارير العسكرية الأميركية والواقع الذي كان يشاهده.

يقول إنه كان يستمع مراراً إلى قادة عسكريين يؤكدون أن الوحدات التي سبقتهم ارتكبت أخطاء، لكن وحداتهم الحالية نجحت في وضع الأوضاع على الطريق الصحيح، مستندين إلى عروض وبيانات تظهر مؤشرات إيجابية.

ثم كان يعود بعد سنوات إلى القاعدة نفسها، ليجد وحدة جديدة تقدم تقريباً الرواية ذاتها.

ولا يشكك بوت في مهنية الجنود الأميركيين الذين يقول إنه يكن لهم احتراماً كبيراً، لكنه أصبح أكثر حذراً تجاه تقييم المؤسسات العسكرية لنجاح مهماتها، لأن الاعتراف بالفشل، من وجهة نظره، يحمل كلفة مهنية ومؤسسية للقادة أنفسهم.

عندما يصبح بقاء القوات هدفاً في حد ذاته

يذهب بوت أبعد من ذلك، ويقول إن الوجود العسكري الأميركي الضخم وصل في مرحلة ما إلى وضع أصبحت فيه عملية حماية وإمداد واستدامة القوات نفسها جزءاً كبيراً من المهمة.

أي أن الموارد والجنود والمنشآت المطلوبة لدعم الانتشار العسكري أصبحت تحتاج بدورها إلى مزيد من القوات والموارد لحمايتها.

ويستعين بتعبير عسكري أميركي ساخر يصف مثل هذه الحالة بأنها منظومة تستمر في العمل جزئياً من أجل المحافظة على وجودها.

العراق كان أكثر تعقيداً من صورة “الأخيار والأشرار”

ويقول بوت إن السنوات التي أمضاها متنقلاً في العراق جعلته يدرك مدى تعقيد المجتمع والصراع العراقي.

فالمشهد، كما يصفه، لم يكن قابلاً للاختزال إلى طرفين واضحين، بل تشابكت فيه المصالح العائلية والعشائرية والطائفية والقومية والجغرافية والاقتصادية.

ويقول إن الحديث في واشنطن عن الحرب بوصفها مواجهة بين من وصفهم بـ “أخيار” و”أشرار” كان سهلاً، لكن الصورة بدت مختلفة على الأرض، حيث واجه الأميركيون أيضاً مشكلات الفساد والعنف داخل قوى وشخصيات عراقية كانت حليفة لهم.

لماذا أيد «زيادة القوات» عام 2007؟

رغم تزايد معارضته للحرب التي كان قد أيدها، يقول بوت إنه لم يكن مقتنعاً بأن الانسحاب السريع هو الحل.

فقد كان يخشى أن يؤدي الانسحاب المبكر إلى تفاقم الصراع الطائفي بين السنة والشيعة الذي أعقب الغزو.

ولهذا أيد استراتيجية زيادة القوات الأميركية عام 2007، عندما أرسلت واشنطن نحو 30 ألف جندي إضافي وغيرت جانباً من استراتيجيتها باتجاه حماية السكان بدلاً من التركيز حصراً على ملاحقة المسلحين.

ويشير إلى أن مستويات العنف انخفضت بصورة كبيرة في الفترة اللاحقة، وإن كان الجدل بشأن أسباب ذلك الانخفاض أوسع من مجرد زيادة القوات وحدها.

الانسحاب عام 2011 وظهور تنظيم الدولة

كما يقول بوت إنه عارض قرار الرئيس باراك أوباما سحب القوات الأميركية عام 2011، لأنه كان يخشى حدوث فراغ أمني وسياسي.

ويربط الكاتب لاحقاً بين هذا الفراغ وصعود تنظيم داعش، الذي تمكن من السيطرة على مناطق واسعة من العراق وسوريا، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة نحو 3 آلاف عسكري إلى العراق عام 2014.

لكن المهمة الجديدة، كما يوضح، اختلفت عن مرحلة الاحتلال: لم تعد القوات الأميركية تدير البلاد، وإنما قدمت التدريب والدعم والمساندة للقوات العراقية في مواجهة تنظيم الدولة.

إيران.. النتيجة الاستراتيجية الأكثر مفارقة

وهنا يصل المقال إلى إحدى أهم خلاصاته.

يرى بوت أن أحد أكثر الآثار ديمومة لغزو العراق كان تعزيز النفوذ الإيراني داخل البلاد، وهي نتيجة كان معارضو الحرب قد حذروا منها قبل الغزو.

ويقول إن القوات الأميركية القليلة التي بقيت في العراق خلال السنوات الأخيرة كانت تمثل، من وجهة نظره، ثقلاً محدوداً في مواجهة هذا النفوذ.

كما يشير إلى أن الانسحاب الأميركي الأخير كان يفترض أن يترافق مع معالجة ملف الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، لكنه يقول إن ذلك لم يحدث.

كلفة هائلة.. وعائد استراتيجي موضع شك

يقدم بوت في نهاية مراجعته حكماً شديد القسوة على الحرب التي سبق أن أيدها.

فهو يصف غزو العراق بأنه «خطأ كارثي»، ويشير إلى كلفة مالية يقدرها بنحو 1.8 تريليون دولار، فضلاً عن مقتل 4418 أميركياً ومئات الآلاف من العراقيين.

لكن الكاتب يقر في الوقت نفسه بأن العراق اليوم أفضل حالاً مما كان عليه قبل عقد من حيث تراجع مستويات العنف وتحسن النشاط الاقتصادي.

مع ذلك، يرى أن واشنطن لم تحصل مقابل الكلفة البشرية والمالية الهائلة على مكسب استراتيجي يوازيها، وأن المفارقة الكبرى كانت أن الحرب التي أطاحت بأحد خصوم إيران الإقليميين انتهت، بحسب قراءته، إلى توسيع المجال أمام النفوذ الإيراني في العراق.

الدرس الذي يقول إنه تعلمه

لا يقول بوت إن تجربته العراقية حولته إلى داعية للانعزال الأميركي أو إلى معارض لاستخدام القوة في جميع الظروف.

بل يصف نفسه بأنه أصبح أكثر حذراً تجاه ما سماها “حروب الاختيار”، وأكثر إدراكاً لحدود القوة الأميركية وقدرتها على تغيير المجتمعات الأخرى.

فالدرس الأعمق بالنسبة إليه ليس أن الولايات المتحدة يجب أن تنسحب من العالم، وإنما أن هناك فارقاً بين امتلاك قوة عسكرية هائلة وبين القدرة على تحويل تلك القوة إلى نتائج سياسية مستقرة.

ويقول إن تجربته في العراق علمته أن النظريات السياسية التي تبدو واضحة في واشنطن يمكن أن تنهار عندما تصطدم بالتعقيدات الاجتماعية والسياسية على الأرض.

العراق وإيران.. لماذا يعود الكاتب إلى الماضي الآن؟

لا يكتب بوت عن العراق بوصفه مراجعة تاريخية فقط. فهو يربط التجربة العراقية مباشرة بالتصعيد الأميركي الحالي مع إيران.

ومع حديثه عن إرسال الولايات المتحدة حاملة طائرات ثالثة إلى الشرق الأوسط، يتساءل ضمنياً عما إذا كان صانعو القرار الأميركيون قد استوعبوا بالفعل الدرس الذي استخلصه هو من العراق.

وهنا تكمن الفكرة المركزية للمقال: المشكلة، في نظر بوت، لم تكن فقط في الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق، وإنما في احتمال تكرار طريقة التفكير نفسها في أزمات جديدة.

وبذلك تصبح مغادرة آخر القوات الأميركية للعراق، بالنسبة إليه، نهاية فصل عسكري طويل، لكنها لا تقدم إجابة عن السؤال الأصعب: هل غادرت الولايات المتحدة العراق فقط، أم غادرت أيضاً الأفكار التي قادتها إلى الحرب؟

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.