جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطاب واحد بين إعلان الاستعداد للمساعدة في الدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، والتأكيد أن رئاسته ستنتهي عام 2030، مع طرح برنامج لإعداد قيادات محتملة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية. وتفتح التصريحات نقاشاً بشأن حدود الانخراط المصري في التصعيد الإقليمي، وطبيعة الترتيبات السياسية التي يتصورها للمرحلة التالية لحكمه.
وخلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية، أمس السبت، قال السيسي إن مصر مستعدة لاتخاذ إجراءات لحماية السعودية والدفاع عنها عند الطلب، مؤكداً أن القاهرة لا تسعى إلى مهاجمة أي طرف. وطلب عقد جلسة طارئة للبرلمان لمنحه التفويض اللازم إذا طُلبت المساعدة المصرية. وأعلن البرلمان لاحقاً عقد جلسة الأحد، من دون الكشف عن جدول أعمالها، بحسب رويترز.
ونقلت «دويتشه فيله» عنه قوله إن مصر «لا تبحث عن دور» في الصراعات الإقليمية، لكن من غير المقبول بالنسبة إليها تعريض أمن السعودية واستقرارها للخطر. وأضاف، «أنا لا أتحدث عن قتال أحد أو مهاجمة أحد. نحن نتحدث فقط عن الدفاع».
وتأتي هذه التصريحات وسط تصاعد هجمات جماعة الحوثي على أهداف سعودية، شملت مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومنشآت للطاقة، بالتزامن مع تجدد القتال في اليمن.
وترتبط القاهرة والرياض بعلاقات استراتيجية واقتصادية وثيقة، وكانت السعودية من أبرز الداعمين للاقتصاد المصري عبر المساعدات والاستثمارات والودائع. ويضيف اضطراب الملاحة في البحر الأحمر بُعداً مصرياً مباشراً للأزمة، بسبب تداعياته على حركة السفن وإيرادات قناة السويس.
دعم مشروط وحدود لم تتضح
يمكن قراءة إعلان السيسي باعتباره رسالة تضامن وردع، مع إبقاء التحرك المصري مشروطاً بطلب سعودي والحصول على موافقة البرلمان. وهذه الصيغة تتيح للقاهرة إظهار استعدادها لمساندة الرياض، مع الاحتفاظ بهامش لتحديد شكل المشاركة وحجمها.
لكن التصريحات لا توضح طبيعة الإجراءات المحتملة: هل تقتصر على مساعدات فنية ولوجستية، أم تشمل إسناداً بحرياً أو جوياً أو أشكالاً أخرى من التعاون العسكري؟ ولذلك لا تكفي، بمفردها، للاستنتاج أن مصر قررت إرسال قوات أو المشاركة في عمليات داخل اليمن.
ويحمل التشديد على الطابع الدفاعي محاولة لطمأنة الداخل المصري والأطراف الإقليمية بشأن حدود الدور المقترح. غير أن وصف المهمة بأنها دفاعية يظل بحاجة إلى تفاصيل عملية تحدد نطاقها الجغرافي، ومدتها، وشروط استخدام القوة. فحماية الأراضي السعودية وتأمين الملاحة والمشاركة في القتال داخل اليمن مهام مختلفة، ولكل منها تبعاتها.
كذلك، تمنح إحالة الأمر إلى البرلمان الخطوة مساراً مؤسسياً معلناً. وتبقى دلالة هذا المسار مرتبطة بمضمون التفويض الذي قد يُطرح، ومدى تحديد أهدافه وحدوده وآليات مراجعته.
تعهد بانتهاء الرئاسة وبرنامج لإعداد القيادات
في الجانب الداخلي من الخطاب، أكد السيسي أن ولايته ستنتهي عام 2030 وأن الدستور لن يُعدّل لتمديد بقائه. وطرح برنامجاً يستهدف حملة الدكتوراه من جامعات مصرية وأجنبية مرموقة، لتأهيلهم داخل الأكاديمية العسكرية مدة 30 شهراً لتولي مسؤوليات قيادية.
وبحسب رويترز، ستتولى لجنة بإشراف رئيس البرلمان، تضم سياسيين ومثقفين ووزيري التعليم العالي والعدل، وضع معايير الاختيار وإعداد التشريعات المتعلقة بالبرنامج. وقال السيسي إن خريجيه سيُعدّون لمسؤوليات تشمل الرئاسة والوزارات والمحافظات والبرلمان، من دون توضيح كيفية ترشحهم أو تعيينهم.
ويأتي التعهد في ظل سابقة دستورية مهمة؛ إذ أقرت تعديلات عام 2019 زيادة مدة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست، وأتاحت للسيسي الترشح لولاية ثالثة، بما يسمح باستمراره حتى 2030.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير لها بهذا الشأن، إلى أن السيسي سبق أن أكد عام 2017 التزامه بالحدود الدستورية للولايات الرئاسية، قبل إقرار تلك التعديلات. وفي المقابل، نقلت عن الباحث إتش إيه هيلير، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، رأيه بأن التعهد الجديد يستحق أن يؤخذ بجدية، لأنه صدر بمبادرة من الرئيس السيسي، ومن دون ضغط ظاهر يدفعه إلى إعلانه.
إعداد الكفاءات وأسئلة المنافسة السياسية
يمكن فهم البرنامج المقترح باعتباره محاولة لبناء كوادر تمتلك معرفة بإدارة الدولة ومواردها. لكنه يثير أيضاً سؤالاً بشأن الدور الذي ستؤديه المؤسسة العسكرية في تشكيل القيادات المدنية المقبلة، خصوصاً مع اتساع المناصب التي يُفترض إعداد الخريجين لها.
ولا تعني التصريحات أن الالتحاق بالبرنامج أصبح شرطاً للترشح للرئاسة أو لتولي المناصب العامة؛ فهذا أمر لم يُعلن. لكنها تترك مسائل أساسية بلا إجابة، منها مدى إتاحة المشاركة لمختلف الاتجاهات السياسية، وشفافية الاختيار، وعلاقة البرنامج بالأحزاب والجامعات والمؤسسات المدنية.
وعليه، يحمل التعهد بانتهاء الرئاسة عام 2030 دلالة سياسية واضحة، بينما يظل شكل الانتقال وآليات المنافسة مفتوحين على تفاصيل لم تُطرح بعد. وفي الملف السعودي، يتوقف الانتقال من إعلان الاستعداد إلى تحرك فعلي على الطلب السعودي ومضمون التفويض المصري وطبيعة المهمة التي قد تُحدد لاحقاً.
المصادر/ رويترز- دوتشه فيله- نيويورك تايمز