أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
مكان

«نجوم السما أقرب له مني».. حين خرجت القصيدة من مخبئها

«نجوم السما أقرب له مني».. حين خرجت القصيدة من مخبئها
من غبار الطريق وخيبة الحب الأولى، بدأت حكاية القصيدة

مكان/ من أوراق كلية الآداب – الجامعة المستنصرية (1984/1981)
محمد التركي – الحلقة الرابعة

من ديواني الشعري (حكاياتٌ من القرويِّ المُتبغددِ)

***********

في عام 1982، كنتُ طالبًا في المرحلة الثانية بكلية الآداب. جئتُ إلى بغداد من قريةٍ متعبة، ظلُّها يلاحقني، وحرمانها يثقل صدري ويُشعرني بالخجل بين أبناء المدينة.

كنتُ أسكن القسم الداخلي في مجمّع حي الطالبية في جانب الرصافة من بغداد -الذي أصبح فيما بعد كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية-. وكنت أستيقظ باكرًا، لا حبًّا بالصباح وحده، بل طمعًا في يومٍ جديد يفتح لي أفقًا، ويمنحني لقاءً أستهلّ به نهاري برؤية من أحب.

أرتدي زيّي الجامعي العتيق وأمضي إلى الكلية مشيًا؛ فزحام جسر قناة الجيش كان يعطّل الحافلات، والطريق غير المعبّد يثقل الخطى بالغبار والحجارة. وكان التعب يأخذ مني مأخذه، لكنه يهون كلّه حين أراها؛ إذ كان وجهها كفيلًا بأن يشرق في داخلي صباحٌ آخر.

وذات يوم، لحق بي زميلي في القسم، سلام، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، نفتح للشكوى صدورنا، ونرّوح عن أنفسنا من عناء الغربة والدراسة. ثم سألني بغتةً: — هل لديك قصيدة؟ قلتُ بابتسامةٍ أخفي بها سرّي: — نعم. قال: — أعطني إياها. فأخرجتها من دفاتري، ولا أدري ما الذي يضمره. قرأها ثم قال: — إلى متى تكتب لها وهي لا تدري بمشاعرك؟ دعني أوصل إليها ما في قلبك من خلال القصيدة. فارتبكتُ وقلت: — أرجوك، لا… لا تفعل.

كنتُ أخشى أن ينفضح سرّي، لكنه طمأنني بأنه لن يعطيها القصيدة مباشرة، بل سيوصلها إليها عن طريق إحدى زميلاتها وبسرية تامة. فاستسلمتُ لرأيه، وكأنني لم أسلّمه قصيدة، بل سلّمتُه مفتاح قلبي.

وحين بلغنا نادي الكلية، ذهبتُ كعادتي إلى الحمّام أصلح شعري وأنفض عن حذائي غبار الطريق، ثم جلست في ركنٍ منفرد أرقب الداخلين والخارجين، وقلبي معلّق بما ستأتي به الساعات.

وإذا بي أرى سلامًا يناول القصيدة لإحدى زميلاتها، فذهبت بها إليها. رفضت في البداية قبولها، غير أن زميلتها أقنعتها بأن تقرأها وتعيدها في اليوم التالي.

وفي اليوم التلي، جاءني سلام يحمل القصيدة ومعها جوابها: — نجوم السما أقرب له مني!!

كانت كلمات قليلة، لكنها وقعت على قلبي كالسهم؛ فانشقّ قلبي نصفين: نصف أراد الاستسلام، ونصف ظلّ متشبثًا بالأمل.

وأخذ سلام يقنعني بأن أتمسك بها وألا أستسلم، فكنت أقول في نفسي: أعرف حظي جيدًا؛ إن ألقيتُ سنارتي في بحرها عادت خائبة، فالشصّ غير مدبب، والطُّعم غير محبب!

ومع ذلك، واصلت الكتابة. فقد كانت تلك القصيدة أولى كلماتي، وكانت تلك الخيبة أول درسٍ لي في الحب والشعر معًا؛ ومن رحمها بدأت حكايتي مع القصيدة.

سمراءُ، كفّي في الفؤاد أذاكِ

فحللتِ فيه، فلا يحلّ سواكِ

مصيبتي أني أحبّ بلوعتي

وتعجّبتْ من لوعتي عيناكِ

دمعًا كفاني ساكبًا وتعدّبًا

وسدًى بدمعي ساكبًا برباكِ

لا، ما أنا فرعونُ عندك كافرًا

فضربتِ في بحر الدموع عصاكِ

ما زال سرّ الحب يقلق خافقي

والعاشق الولهان لا ينساكِ

لمّا رأوا جرحي تصبّر بالأسى

قد كثّروا السمّار من ذكراكِ

وحمامُ فوق الصفّ يعرف قصتي

يشدو الفراق نوائحًا وبواكي

وحسِبتُ نفسي طائرًا متصيّدًا

فوقعتُ مصيودًا بشرك شباكِ

قلبي المعنّى في رؤاك معذّبٌ

لولاكِ ما عرف الهوى، لولاكِ

أمشي مسافاتٍ وأخطو عثرتي

متوجسًا من وخزة الأشواكِ

وحملتُ من حمرين ثقل جبالها

سهلٌ عليّ، ولا حملتُ هواكِ

مهلًا، فديتك بالذي بك خافقًا

ما أسكتت خفق الفؤاد يداكِ

فمضت سنوني في الكتابة أكتوي

كفراشةٍ محروقةٍ بسناكِ

فالعشق في بغداد صار سجيّتي

جلدي نزعتُ، ولا نزعتُ هواكِ

إنّي أعزّ من الملوك وعرشهم

حتى وأغنى الناس حين أراكِ

لا أرتضي غير الشموخ يليق بي

وبكبريائي قد أشقّ عصاكِ

يمشي بي الجبروت فوق محبّتي

عزًّا، برغم الجرح، خطّ هلاكي

قلبي الذي يسَع الحياة وفاؤه

قد ذاق طعم الموت من وفّاكِ

********

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 2 days أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.